ولعمري لقد ظلم الناس خلفا الأحمر وأسرفوا في ذلك، فجعلوه كالذي لا هم له إلا صنع الأشعار واختلاقها ثم نسبتها إلى الجاهليين، فنسبوا إليه قصيدة ابن أخت تأبط شرا التي أولها:
إن بالشعب الذي دون سلع ** لقتيلا دمه ما يطلُّ
وزعموا أنه هو الذي صنعها، وهذا شعر جاهلي قُحّ، وقد ردَّ أبو فهر هذه الفرية على هذه القصيدة بكتاب كامل لا يخفى عليكم وهو (نمط صعب ونمط مخيف).
ومعلوم أن العلماء والرواة لا يُقدح في صدقهم وضبطهم بالرأي والهوى، وإنما ينظر إلى أقوال العلماء فيهم، وأولى من يؤخذ كلامه فيهم من كان معاصرا لهم من العلماء، فلننظر إلى كلام بعض العلماء عن خلف الأحمر في صدقه خاصة، ليس في علمه وسعة روايته.
بل أبعد من ذلك أنهم ذكروا صدقه في رواية الشعر خاصة، فكأنهم في ذاك الزمن الأول كانوا يعلمون أنه سيأتي أناس يتهمونه بوضع الأشعار.
بل ذكر ابن سلام في القول الذي سننقله عنه أن أصحابه قد اجتمعوا على أن خلفا كان أصدق الناس لسانا، فكيف يُطعن في صدقه بعد هذا؟!
إذا كنا نأخذ قول العالم الواحد في فلان أنه صدوق، فكيف نرد إجماع هؤلاء العلماء على أن خلفا كان أصدق الناس لسانا؟!
فكلام ابن سلام فيه أمران:
1 - أنه إجماع ناس كثير من العلماء وليس قولا لعالم واحد.
2 - أنه إجماع على كونه أصدق الناس لسانا لا على صدقه فحسب، ومعلوم أنه لا يوصف بمثل هذا إلا من كان بعيدا كل البعد عن الكذب، أما (صدوق) فقد يوصف بها من هو دون هذه المنزلة.
وردة1فوصفهم له وهم معاصرون له عارفون به بأنه أصدق الناس وإجماعهم على هذا دليل على علو درجته في الصدق وبعده كل البعد عن الكذب والتدليس، وبعض هؤلاء العلماء كان شديد التحري في رواية الشعر وصحب خلفا صحبة طويلة كابن سلام.
فكيف نترك كلام هؤلاء المتقدمين ونأخذ كلام المتأخرين كابن دريد؟! وإذا كان ابن دريد بصريا كما ذكر أبو قصي فابن سلام بصري أيضا، وقد صحب خلفا زمانا طويلا كما ذكر الشيخ أبو فهر، أما ابن دريد فقد ولد بعد وفاة خلف بنحو خمسين سنة!
قال ابن سلام في (طبقات فحول الشعراء) -وهو ناقد بصير يتحرى الصدق، ويتنخل الأشعار كما قال عنه أبو فهر-:
"اجتمع أصحابنا على أن خلفا كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقهم لسانا، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا، أو أنشدَنا شعرا، أن لا نسمعه من صاحبه"
فلعمري إن الجور على خلف بعد هذا لمن أظلم الظلم.
إذا كنا نأخذ روايات كثير من العلماء ممن لم يوصفوا بهذا الوصف في الصدق، فكيف نترك رواية خلف مع قول ابن سلام عنه: "كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا، أو أنشدنا شعرا، أن لا نسمعه من صاحبه" فهذه مِن أعلى المراتب في الصدق، أن لا تبالي بعد سماعك الشعر منه أن لا تسمعه من صاحبه.
ووالله لكأن ابن سلام يرد بهذه العبارة ردا صريحا على من جعلوا بعد ذلك ينسبون إليه اختلاق الأشعار وإنشاءها ثم نَحْلَها المتقدمين.
وللحديث بقية إن شاء الله
ـ[صالح الجسار]ــــــــ[10 - 05 - 2012, 11:51 ص]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
أحسنت يا أبا قصي بارك الله فيك.
اعلم -وفقك الله- يا أبا قصي أنني لما سألتك عن هذا لم أسألك لأنني كنت أحسبك أول قائل بهذا، فإنني أعلم جيدا أنك قد سُبقت إلى هذا القول، وأن القائلين بهذا القول كلهم ينسبونها إلى خلف الأحمر، إنما أردت أن أعرف سبب اقتناعك بهذا الزعم، وقد أبنتَ عن ذلك.
1 - أما قولك: "ولكنِّي أرى أنها مصنوعةٌ، صنعَها خلفٌ الأحمرُ (ت 180 هـ). وكانَ أقدرَ الناس على قافيةٍ."
فسأرد عليه بكلام قليل في سطرين لكنه في الحقيقة كُثار جدًّا عند من كان منصفا، وهو كلام لابن سلام الجمحي، ولو لم يكن لي رد غيره لكان كافيا وزائدا على الكفاية.
ولعمري لقد ظلم الناس خلفا الأحمر وأسرفوا في ذلك، فجعلوه كالذي لا هم له إلا صنع الأشعار واختلاقها ثم نسبتها إلى الجاهليين، فنسبوا إليه قصيدة ابن أخت تأبط شرا التي أولها:
إن بالشعب الذي دون سلع ** لقتيلا دمه ما يطلُّ
وزعموا أنه هو الذي صنعها، وهذا شعر جاهلي قُحّ، وقد ردَّ أبو فهر هذه الفرية على هذه القصيدة بكتاب كامل لا يخفى عليكم وهو (نمط صعب ونمط مخيف).
¥