ملتقي اهل اللغه (صفحة 4624)

وبعد الإفطار اجتمع الناس وجلس كلُّ أعضاءِ جامعةٍ معًا، وكنا أربعَ جامعاتٍ: جامعة القاهرة، وجامعة عين شمس، وجامعة حلوان، وجامعة الأزهر التى أَشْرُفُ بالانتساب إليها، وبدأ الحفل بالترتيب السابق للجامعات فقام أحد طلاب جامعة القاهرة فألقى قصيدة ثم أتبعها بأخرى بعدها فثالثة فرابعة، ثم فعل مثله من بعده من الجامعات الأخرى ثم جاء دَوْرُ جامعة الأزهر فقام غيرى بإلقاء قصائده، ثم دارت دورة أخرى مثلها، ثم قام الشاعر المشهور جمال بخيت بإلقاء عدة قصائد له، ثم أسمعونا بعض الموسيقى ثم قالوا نأخذ راحة بعدها نُكْمِلُ مع من بقى من الشعراء فخرجت مغضبا إذ كيف أؤخرُ فى المقام كل هذا التأخير ولا عذرَ لهم عندى أنهم لا يعرفوننى (وفى الحقيقة ليس المُضِيفِين فقط هم من لا يعرفُنى بل المشرفين أيضا من جامعة الأزهر الذين ذهبت معهم كانوا لا يعرفوننى أيضا وبعضهم كان يسأل عنى ليخبرنى أن دورى الثالث فى الجامعة فكيف بالله يعرفنى غيرهم ولكنه العُجْبُ الذى كان وانقضى ولله الحمد والمنة)

فذهبت إلى الحديقة فصليت بها العشاء وبعض التراويح ثم أعادوا الحفل ثانية ولكن كان أكثر الحاضرين قد ذهبوا، فجلست مع الجالسين وقعدت مع الخالفين، وعزمت على ألا أكون مع المُلْقين، وزاد الطين بَلَّةً أنه لما عاد الحفل وذهب الناس إلا قليلا وقام أحد أفراد جامعة القاهرة فألقى قصيدة ثم أراد أن يتبعها بأخرى كما فعل من سبقه قال المسئولون عن الحفل: يكفى أن يلقىَ كلُّ واحد من الباقين قصيدة واحدةً؛ لأن الوقت بدأ يتأخر. فأجابهم هو ومن بعده أَنْ نعم حتى جاء دورى فنادَوْنى وكنت ذهبت للجلوس فى الصف الأول لأستمع إلى ما يُلقى فلم أبرح مكانى فقالوا لى: هيا يا دكتور هذا دَوْرُك، فقلت لهم: لا لن أنشد، فالتفت الجمعُ إلىَّ وعجبوا مما أفعله، وجاءنى المشرفون يحثوننى على القيام دون جدوى وسُقِطَ فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا بالإتيان بمثلى الذى أوقعهم فى هذا الحرج وجاءنى صديقى أبو دنيا يحثنى على القيام والإنشاد فقلت له لمن أشدو وقد ذهب الناس وكيف أنشد وقد أخرونى فى المقام وهل من سبق أشعر منى فلن أبرح الأرض حتى ينتهى الحفل ونذهب ثُمَّتَ بعدُ لا يعنينى إذن لن أعود لمثلها أبدا. فجعل أبو دنيا يقول لى: كفاك تنشدنى ومن بقى من الناس وقد ذهب الذين لا علم لهم بالشعر ولا رغبة لهم فيه وقد بقى الصفوة ممن يُقَدِّر ما تقول ... وظل هكذا والناس يرقبوننى حتى ذهب عنى الحَزَن، فقمتُ لا أدرى ماذا أُنشِدُ وقد ضاع من رأسى كل ما فيه بسبب هذا الموقف ثم أنشدت قصيدة كنت كتبتها ردا على قصيدة لنزار قبانى وكنت أول مرة أسمع شعره ولم أكن أدرى أنه يمكن لأحد الانحطاط إلى هذا الدرك من الكلام مع أنه شاعر ولا شك، وكان مطلع قصيدتى:

ما كان هزلُكَ فى الحسان مُقَدَّما ... لا والذى جعل الحقيقة علقما

فألقيتها وأنا لا أدرى ما أقول وكنت كأننى أتشاجر، لا أننى ألقى شعرا وخرجت أشعر أنهم أهانونى وأنى قد أهنتُ الشعر وعزمت على ألا أكتب شعرا ثانية وأن ألتفت إلى دراستى كما كانت تكثر القَالةُ فى هذه الفترة وكنت كتبت قبل ذلك:

الطبُّ ويحك فى المقام الأولِ ... فالشِّعرُ سوءٌ غيُّهُ لا ينجلى

وبعد انتهاء الحفل جاء أبو دنيا يعاتبنى وقال المشرفون: إنك كنت الثالث لأنها أول مرة لك تأتى معنا فوضعنا الأقدم فالأقدم لا بسبب أن الأقدم أفضل وإذا جئت معنا عدة مرات كان ترتيبك على حسب أقدميتك فربما كنت الأول بعد ذلك. فقلت لهم ولأبى دنيا: أبشروا فلن أعود لكتابة الشعر ثانية وهذا قول لا رجعة فيه، فلما رجعنا إلى المدينة انثال علىَّ الشعرُ انثيالا حتى صار إلى ما قال أبو تمام:

تغايَرَ الشعرُ فيه إذ سَهِرْتُ له ... حتى ظننتُ قوافيه ستقتتلُ

فقلت لن أكتب شيئا بعد اليوم ونمت واستيقظت والشعر على لسانى فخرجت وذهبت إلى ميدان العباسية حيث الزحام، أسير مع السائرين لعلى أخرج من رِبْقَةِ الشعر وأَسْرِهِ فلم تُجْدِ محاولتى شيئا فذهبت ها هنا وثَمَّتَ ورحت إلى أصدقائى أتلهى معهم ولكن دون جدوى فلم أجد بدا من مغادرة القاهرة فأخذتُ ثيابى وعدت إلى طنطا وجلست بين كتبى أقلبها وأتلهى بها ولكن كان أكثرها شعرا فنمت واستيقظت لصلاة الفجر والشعر على لسانى فلم أجد بدا من كتابة هذه القصيدة أصف فيها ما حدث فى الجامعة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015