= ومن أوجه الجمال هنا هذه الصورة الحسية التى رسمها لهذه المدينة العظيمة المنكوبة إذ جعلها فتاةً فمثلها ينبغى له أن يتمتع بالحياة لا أن يقع عليها الدهر بكلاكله ويصيبها من نوائبه ما أصابها وهذا أدعى للسامع لمزيد العطف والحدب.
= ومنها: تنكيره لفظة (فتاة) لتشمل كل معانيها: فمنها: أنها فتاة ضعيفة اعْتُدِىَ عليها فهذا يجعل من كان شهما ذا نخوة أن يسارع إلى نجدتها.
ومنها: أنها ما زالت صغيرة ليست ذاتَ خبرة فى الحياة، وفى هذا أيضا ما يحُثُّ ذوى الخبرة والمروءة للوقوف بجانبها ومساعدتها،
ومنها الجَمال الذى تتصف به الفتيات عادة وهذا ما يجعل القلوب تميل إليهن، فإذا اجتمع الجمال والضعف مع صِغَرِ السن زاد التعلق بمثلها فإذا حدث مع هذا اعتداءٌ من (الشَّبِّيحةِ) عليها كان فى هذا حافزا بعد حافز لأن يسارع ذوو النجدة والمروءة إلى نجدتها وألا يتركوها بين هؤلاء الظالمين
ومنها: غير ذلك يظهر بمزيد تأمل، والله الموفق
فضمت إلى الصدر اليدين وعينها تقاذفُ منها بالدموع شؤون
اللغة: (تَقَاذَفُ): أصلها تتقاذف فحذف إحدى التاءين تخفيفا، وهى من قَذَفَ: أى رمى، (شؤون) جمع شَأْن وهو مَجْرى الدَّمْع إلى العين وفى العين أربع شؤون فطرَف العين الذي يلي الأَنف يقال له مُوق فللعينين مُوقان، وطرف العين الذى يلى الصُّدْغ يسمى اللحاظ فللعينين لِحاظان فاللحاظان والموقان هى مجارى الدمع وهى شؤون العين
المعنى: فلما رأت هذا الهول الذى حدث لأهلها ضمت يديها إلى صدرها كما يفعل من أفزعه أمر فهو يشهق شهقة ويضم يديه إلى صدره من الفزع، وكانت وهى فى هذه الحال تتقاذف الدموع من عينيها بغزارة.
ومن أوجه الجَمال هنا: أنه جعل شؤون عينها تتقاذف بالدموع فكل شأن من شؤون عينيها الأربعة (المُوقين واللحاظين) يرمى بالدمع وهذا فيه من المبالغة فى البكاء ما ترى فلم يقتصر على جعل الدموع تجرى من عينيها بسبب البكاء بل جعل الدموع تُرمى ولا شك أن الرمى أبلغ من الجرى الذى هو أبلغ من مجرد البكاء.
ومنها: هذه الصورة الحسية التى رسمها للمدينة فجعلها كالفتاة المفزوعة التى فاجأها أمر عظيم هائل مرعب فوضعت يديها على صدرها من شدة الفزع كأنها تُهَدِّأُ من خفقان قلبها الذى ازداد كثيرا بسبب شدة الهول الذى حدث لأهلها.
وما أنس لا أنس العشّية أنها تورّمَ منها بالبكاء جفوناللغة: (العشيَّة): آخر النهار وفيها أقوال أخرى، فإذا قلت: أتيته العشية أو عشية فالمراد عشية اليوم الذى أنت فيه فإذا أردت المستقبل قلت آتيه عَشِىَّ غدٍ. بغير هاء
(المعنى): ما أنس هذا الأمر العظيم الذى حدث لا أنسى أنها من شدة ما حصل لأهلها من القتل والاعتقال أنها ظلت تبكى من ذلك حتى تورمت جفونها بسبب كثرة البكاء على أهلها.
ومن أوجه الجمال هنا: قوله: (وما أنس لا أنس) فهذا تكرار يفيد التأكيد على أنه لا ينسى هذا الذى حدث فكأنه حين قال (ما أنس) خشى أن يقول قائل بل تنسى لأن النسيان من طبيعة البشر فأكد على أن هذا الأمر الذى حدث لا يمكن أن ينساه.
وقوله: (ما أنس لا أنس ... الخ) يُسميه علماء البلاغة (الاحتباك) وهو أن يحذف من الأول لدلالة الثانى عليه أو من الثانى لدلالة الأول عليه، وهنا حذف من الأول لدلالة الثانى عليه فأصل الكلام (ما أنس العشية أنها تورم منها بالبكاء جفونُ، لاأنس العشية أنها تورم منها بالبكاء جفون) فحذف من الأول لدلالة الثانى عليه، وأما لماذا حذف من الأول وأبقى الثانى ولم يعكس فهذا لأن المراد التأكيد على أنه مهما طال الزمان وتعاقبت صروفه فإنه لن ينسى أبدا ما حدث لعِظَمِ هذا الأمر، أى أن المراد التأكيد على عدم النسيان وليس على الأمر الذى حدث.
وقوله (ما أنس لا أنس) من أقوال الشعراء التى يستعملونها كثيرا ومنه قول كعب بن زهير – رضى الله عنه -:
ما أنسَ لا أنسَهَا والدَّمعُ مُنسرِبٌ ... كأنهُ لؤلؤٌ في الخدِّ محدورُ
لمَّا رأيتهمُ زُمَّتْ جِمالُهمُ ... صدقتُ ما زعموا والبينُ محذورُ
يحدو بهنَّ أخو قاذورةٍ حذِرٌ ... كأنهُ بجميعِ الناسِ موتورُ
ومنه قول جران العود واسمه عامر بن الحارث بن كلفة وقيل كلدة وهو من بني ضبة ابن نمير بن عامر بن صعصعة:
بانَ الخليطُ فهالتكَ التَّهاويلُ ... والشَّوقُ محتضَرٌ والقلبُ متبولُ
يهدي السَّلامَ لنا منْ أهلِ ناعمةٍ ... إنَّ السَّلامَ لأهلِ الودِّ مبذولُ
...
أهالكٌ أنتَ إنْ مكتومةُ اغتربتْ ... أمْ أنتَ من مُسْتَسرِّ الحبِّ مخبولُ
بالنَّفسِ منْ هو ينْآنا ونذكرهُ ... فلا هواهُ ولا ذو الذِّكرِ مملولُ
ومنْ مودَّتهُ داءٌ ونائلهُ ... وعدُ المغيَّبِ إخلافٌ وتبديلُ
ما أنسَ لا أنسَ منها إذ تودِّعنا ... وقولُها لا تزرْنا أنتَ مقتولُ
وربما قال بعضهم: (إن أنس لا أنس) كقول ابن الرومى:
إِن أنسَ لا أنسَ خَبَّازاً مررتُ به ... يَدْحو الرُّقاقَةَ مِثْلَ اللمح بالبصر
مَا بين رُؤيتها في كَفهِ كُرةً ... وبين رؤيتها قَوراء كالقَمر
إلا بمقدار ما تَنْداحُ دائِرةٌ ... في لُجَّةِ الماء يُلْقى فِيه بالحجر
هذا، والله سبحانه أعلى وأعلم
¥