ومع احتمالية ذلك التوجه لدى أبي الطيب بقرائنه التي رأيناها إلا أن حسام زاده قد بلغ به الأمر حد التأول والتمحل ليحيل المطالع الغزلية إلى معانٍ ورَّى بها المتنبي وغمز ولمز بما في ذلك البائية التي نحن بصددها حيث وجه الأبيات إلى غير ما قصده الشاعر يقيناً. فقد غالى غلواً كبيراً ليفرغ المعنى من محتواه الغزلي الصرف إلى ما يريده هو ليكسب مصداقية هو أرادها وليس بحاجتها بل إنها ليست جديدة أو مبتدعة من قبله فقد سبقه إليها الشاعر نفسه حينما أملى ما يريد قوله على أبي الفتح ابن جني فأثبته الأخير في الفسر مفصلاً تفصيلاً دقيقاً.
لن أقف طويلاً عند رسالة الرومي لبعدها عن الأمانة العلمية بالمبالغة المفرطة والتمحل المستهجن ولكن أسوق ما قاله عن البيت المقصود:
"بعدما بين كمال حسنه أخذ يذم من يحسد فيما يوليه، مع قلته ونهاية ندرته، ولذلك عبر عنهم بأنهم أظلم أهل الظلم، وأيضاً أراد بالتقلب تقلب الاضطراب والبكاء الذي بينه بقوله:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها <><> أني بما أنا باكٍ منه محمودُ
وقال فيه:
قليلٌ عائدي سَقِمٌ فؤادي <><> كثير حاسدي صعب مرامي".ا. هـ.
ولعلي أختم بتلك العبارة للدكتور محمد التونجي الذي ناقش القضية بطريقة واضحة تحمل نقداً موضوعياً أميناً فقال: " لا نجد في مدحه روحاً له لأنها لا تنبعث من أعماق الشاعر، ولهذا نجده يصطنع كلامه اصطناعاً، ويقتلعه اقتلاعاً منذ أوائل اتصاله به ... بل إننا حين نقع على شعره نقف حائرين أمام بعضه لاختلاط المديح بالتقريع. من ذلك قوله: " أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ ... ". والتونجي يرى أن أبا الطيب خنع وذل وطأطأ رأسه عند كافور بعد أن كان مرفوع الرأس عند سيف الدولة.
وأخيراً فإن بائية أبي الطيب هذه لم يعبها إلا أنها تراجعت كثيراً حينما دخلت في غرضها الأصلي ويبقى أبو الطيب كما نعرفه في بقية أفكارها وعناصرها الأخرى، مما يعني أنه يخاتل نفسه ويجبرها على غير ما تريد.
صالح بن إبراهيم العوض.
الرس. في 22/ 1/1434هـ.
ـ[ليندا نور]ــــــــ[23 - 12 - 2012, 12:13 م]ـ
كلام جميل وتحليل مفيد وتأول للمعاني شائق وجذاب.
بارك الله بك.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[23 - 12 - 2012, 01:19 م]ـ
جزاكم الله خيرا، وبارك فيكم.
قد وجدت في كلام الأستاذ الكريم/ صالح بن إبراهيم العوض -وفقه الله- معاني جيدة، وتوجيهات حسنة، لكني أقول: إن كانت المجاملة والمصانعة أحب إليه صانعناه ودارأناه، ولا يظن به إلا أنه يأبى ذلك.
فهذا الأسلوب الذي تكلم به الأستاذ صالح ليس من أساليب العرب ولا من كلامهم، بل هو أسلوب أعجمي وُضع في ألفاظ عربية، إن كانت كلها صحيحة لغةً، وهذا المنهاج أخذه من المستشرقين بعض من انتسبوا إلى الأدب في ذلك الزمان، ثم ألقوا وضرهم هذا على الأمة، فهي إلى اليوم تلقى منه اللتيا والتي، ومن كان في شك من مباينة هذا لأساليب العرب، فليقرأ -مثالا- شرح الأنباري للمفضليات وشرح ابنه للمعلقات وشرح السكري لأشعار الهذليين وغير ذلك، ليرى الفرق بين الكلامين والمذهبين.
وأنا إذا قرأت مثل هذا الكلام لبعض المحققين في مقدمات الدواوين وغيرها يُدار بي، وأجد منه حمَّى الرِّبع، فأكون كما قال الشماخ:
كأن نطاة خيبر زودته * بكور الورد ريثة القلوعِ
وأما المتنبي فشاعر لا ينازع عاقل في ذلك، لكن جَدَّه أكبر من شعره، فهو رجل مجدود، لا شك في ذلك ولا ريب.
ومن ظن أن الجد لا يكون في سيرورة الشعر، وأنه لا يسير إلا ما كان أجود = فقد ظلم نفسه وأبعد النجعة، والمتنبي نفسه يقول في الجد:
هو الجد حتى تفضل العين أختها * وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
وكم من الشعراء كان مجيدا ولم يكن مجدودا، فأضر ذلك به، وهو شيء قديم، عرفه الناس قبل المتنبي، من زمن الجاهلية.
وإذا أردت مثالا على ذلك -والأمثلة كثيرة- فانظر إلى قوله:
إذا قلته لم يمتنع من وصوله * جدار معلى أو خباء مطنبُ
فهذا بيت هزيل مرذول، وتراه قد سار في الناس مسير النيرين، وقال جرير في هذا المعنى:
دخلن قصور يثرب معلمات * ولم يتركن من صنعاء بابا
ولا تكاد تجد أحدا يعرفه، مع أنه إذا قيس إلى بيت المتنبي كان هذا كالتبر وذاك كالتراب.
وقال المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلهم * الجود يفقر والإقدام قتال
فنفضت به الأحلاس، وقال الأول:
الجود أخشن مسا يا بني مطر * من أن تبزكموه كف مستلب
ما أعلمَ الناسَ أن الجود مدفعة * للذم لكنه يأتي على النشب
فلا تجد أحدا يرويه إلا خاصة العلماء، مع أنه يقطر ذهبا.
والله أعلم
ـ[د. سليمان خاطر]ــــــــ[23 - 12 - 2012, 10:29 م]ـ
حياك الله، أخي الأستاذ/صالح العمري.
لا أدري ما وجه مأخذك على الأستاذ/صالح بن إبراهيم العوض الشاعر الأديب الناقد المعلم المربي المعروف، في مقاله الطويل الماتع الذي حشد فيه نصوصا شعرية ونثرية ومقالات أدبية وآراء نقدية له ولغيره من القدماء والمحدثين، قلما تجتمع في مقال واحد؟
هل يمكن بمثل هذا الكلام الغامض بخس الكاتب مقاله الذي وثق كل ما ورد فيه من أقوال، ورد الفضل فيه لأهله وأبدى رأيه في كثير من الوضوح والشجاعة والتواضع؟
أعدت النظر في كلامك ومقال الأستاذ المرة تلو الأخرى فلم أفهم مرمى ما تقصده بهذه الطريقة، وما تلك الأيام التي تشير إليها، ومن أصحاب هذا الأسلوب الذي أومأت إليه إيماءً خفيا؛ فهل لك أن تتكرم عليّ ببيان واضح لما تقصده بتعليقك كله في نقاط محددة يمكن مناقشتك فيها في هدوء وتروٍ؛ لأن عدم المجاملة والمصانعة والمداراة لا يستلزم الهجوم الأعمى ولا تجاوز الحد المناسب في النقد وإبداء الرأي العلمي. والله الموفق.
¥