أما انتقاله إلى البيت التالي لهذه الأبيات فهو في غاية الخطورة حينما أبدى سأمه وتبرمه من حاله وباح باشتياقه إلى أهل وده أحبابه وعرض بمن حوله وتنعمهم بأحبابهم في الوقت الذي هو فيه يبكي ويندب!
وكأني به والله يعمد إل تطييب خاطر الممدوح بتلك الكليمات التي لا تخفى على بصراء النقد والوعي بما وراءها فهي لا ترقى إلى مستوى المادح ولا الممدوح ولكن سد الفراغ - بما يتفق وما لا يتفق - غلب على نفس القصيدة بقوة حتى وصل إلى بيت المحور هنا:
وأظلم أهل الظلم من بات حاسداً <><> لمن بات في نعمائه يتقلبُ
البيت جزء من قصيدة بائسة تجرد أكثر الشراح لها من أمانتهم لأنها للمتنبي فقط! وإلا ففيها علو واستفال!
فهو هنا في غاية القلق بتكرار ألفاظه وقرب تناولها من الدارج البعيد عن العمق إلى درجة المباشرة فجاء بألفاظ زائدة على المعنى بلا أدنى دلائل! فهو يريد القول باختصار:"الحسد لا يكون إلا لذوي النعم" وخص أهل الفضل الذين يحسدهم مفضولوهم ولكنه أسهب!!! والبيت الذي يختصره الشرح فهو خاذل لشاعره! فحق الشعر أن يكون متسعاً وذا دلالات لا تحد لتكون مآخذ الآذان منه على قدر القرائح والعلوم كما قال شاعرنا في موضع آخر من قصائده ...
يقول الشيخ يوسف البديعي في الصبح المنبي عن حيثية المتنبي تعليقاً على البيت المذكور:" وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان؛ أحدهما أن المنعِم يحسد المنعَمَ عليه".
وأفاض في الحديث حول هذا بما لا يزيد على ما ذكرت، إلا أنه أشار إلى توقف المتنبي عن القصيد بمدائح الأسود سوى واحدة كثيرة التعريض ساطية القصد بالمراد وهي فريدة المستهل بديعة المبتدأ حينما قال:
مُنىً كنَّ لي أن البياض خضابُ <><> فيخفى بتبييض القرون شبابُ
ليصرح فيها بالمعاتبة القاسية واللوم والتقريع بخذلانه وإحباطه بما لم ينلْهُ إذ قال:
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا <><> ودون الذي أملت منك حجابُ
وفي النفس حاجات وفيك فطانة <><> سكوتي بيان عندها وخطابُ
ثم يذكر استعداده بالخفاء للرحيل ليصعقهم في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاثمئة للهجرة قبل سيره من مصر بيوم بقصيدته القاصمة:
عيد بأية حال عدتَ يا عيدُ <><> بما مضى أم لأمر فيك تجديد
فيفصل في ذكر رحلته وموقف كافور بما هو بعيد عن موضوعنا هنا. الصبح المنبي. ص118 - 125.
باستقراء حال القصيدة وحال شاعرها وتتبع ما قيل عنها وما نقل عن أبي الطيب نجد أنه بالفعل لم يكن يقصد أن يجزل لممدوحه قولاً وعملاً فهو ذو غاية ومأرب؛ وذوو الغايات غالباً ما تطغى غاياتهم على معاني تعبيرهم! فهذا أبو الفتح ابن جني يقول في الفسر عند البيت الثالث والأربعين:
وما طربي لما رأيتك بدعة <><> لقد كنت أرجو أن أراك فأطربُ
"لما قرأت عليه هذا البيت، قلت له: أجعلت الرجل أبا زنة؟! فضحك لذلك ... وهذا وإن كان ظاهره مديحاً فإنه إلى الهزء أقرب"ا. هـ. (الفسر. شرح ابن جني لديوان المتنبي. ج2ص583.دار الينابيع. ط1. 2004م).
وإن كان قد بلغ شأواً بعيداً في البيت الذي وليَهُ مباشرة حينما قال:
وتعذلني فيك القوافي وهمتي <><> كأني بمدح قبل مدحك مذنبُ
والمصراع الثاني في البيت قول جَهَزيٌّ لم يترك لخطيب مستراداً ولا لقائل مستزاداً؛ فابن جني يقول: "وقوله: وتعذلني فيك القوافي وهمتي: هجو صريح لولا أنه تستر منه بالمصراع الأخير".
وبهذا البيت الفريد المرقص ابتدأ نهاية استعراضه الإبداعي الذي يخدم فيه نفسه قبل أن يكون نال من أطراف المعاني مروضاً إياها بجنونٍ الانقياد لملكته التي عهدناها منه فهو قد قال عند سيف الدولة فيما سلف:
وما الدهر إلا من رواة قلائدي <><> إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فيعيد المعنى ذاته هنا ليقول:
ولكنه طال الطريق ولم أزل <><> أفتش عن هذا الكلام وينهبُ
فشرق حتى لي للشرق مشرقٌ <><> وغرب حتى ليس للغرب مغربُ
إذا قلته لم يمتنع من وصوله <><> جدار معلى أو خباء مطنبُ
ويحه كأنه استشرف المستقبل ليقول لنا إن ما أقوله كالذبذبات التي تخترق العوازل فلا يحول دونها حائل.
إن أبا الطيب بهذه القصيدة التي ألجم فيها أفواه التملق وأنشف مجامَّ النفاق والكذب قد استثار النقاد وأهاجهم على نفسه فقد قام حسام زاده الرومي بإنشاء رسالة في قلب كافوريات المتنبي إلى هجاء قاربت المئتي صفحة وقد طبعت بتحقيق الدكتور محمد يوسف نجم.
¥