ـ[صالح بن إبراهيم العوض]ــــــــ[06 - 12 - 2012, 01:04 ص]ـ
المتنبي وكافور
أورد الدكتور ظافر العمري بيتاً لأبي الطيب المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس إن أصاب وإن أخطأ!
وأظلم أهل الظلم من بات حاسداً <><> لمن بات في نعمائه يتقلبُ
وطلب مناقشته في المغتَرَد؛ فكان تناولي إياه بما جاء هنا.
إن أبا الطيب هو من هو شخصيةً وشعراً ... فغموض شخصيته وكبرياء شعره جعلاه يزيح فترات زمنية لأقطاب الشعر لاستحضاره في كثير من المواقف الحيوية فلا تكاد تمر بحدث إلا ويعن لك بيت لأبي الطيب فهو الذي نظر الأعمى إلى أدبه وسمعه الأصم وطاوله القصار؛ ولكنه رغم ذلك غالب العصور والأزمان فلم يأبه لأولئك الذين مسوه بالخوائن فرحلوا وبقي!
ولكن أبا الطيب وقد فارق سيف الدولة لم تفارقه غصته وبقيت معاني فراقه حسرات في قلبه قد برت جسده حتى وإن قال:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا <><> ألا تفارقهم فالراحلون هُمُ
فهو لا يفتأ يذكر ابن حمدان رغم النوى البائن قسراً.
حاول أن يختلق أجواء جديدة في كنف كافور الإخشيدي ولكن أنى له وهو يراه بعيداً عن المكارم سليلاً للضعة والخسة وداليته فضحته أيما فضيحة فقد كشفت عن الزيف الذي تقنع به واستدعى من الكلم ما نظم منه قصائد تكاد تند عن منظومته الإبداعية المميزة التي رأيناها صادقة ناطقة في سيفياته وحلبياته فهناك فرق بين التداعي لدى سيف الدولة والاستدعاء لدى كافور!
بيت من قصيدة:
أغالب فيك الشوقَ والشوقُ أغلبُ <><> وأعجب من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ
ساقه بصيغة مفتعلة وكأنه اعتسفه اعتسافاً ليقول قبله:
ألا ليت شعري هل أقول قصيدةً <><> فلا أشتكي فيها ولا أتعتبُ
وبي ما يذود الشعر عني أقله <><> ولكن قلبي يا ابنة القوم قُلَّبُ
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه <><> وإن لم أشأ تملي علي وأكتبُ
ففي هذه الأبيات ما يوحي بالصدود والانصراف عن كافور ولكنه مدفوع بحاجات أقلها تظاهره بالتجلد أمام الشامتين الذين كانوا سبباً في استعداء سيف الدولة عليه فأقل ما يعانيه من هموم كفيل بذياد الشعر عنه ولو غالب فيه شوقه!!!
إن التكلف بادٍ جلياً في تلك القصيدة فليست تمثل المتنبي الذي قرأناه حينما نقرأ:
فتى يملأ الأفعال رأياً وحكمةً <><> وبادرة أحيان يرضى ويغضبُ
ولن أعلق على هذا البيت لأنه لا يقل تهالكاً وضعفاً عن بيت الظلم الآتي!
قد لا نجانب الصواب إن قلنا عن هذه القصيدة إنها استخفاف بكافور واستهجان له رداً على ما يمارسه كافور معه بالخفاء حينما يبث المرجفين الذين يشيعون أنه ولَّى المتنبي موضعاً في الصعيد وينفذ إليه قوماً يعرفونه ذلك فتلتهب موريات الحنق لدى أبي الطيب فيستلها كافور بستمئة دينار تظهر حقيقة الشاعر المولع بالأحمر الرنان ليأتيه ثالث أيام العيد الأول من سنة 347هـ مادحاً، فهو على رغم ما في مقاطع القصيدة التي أفرغها لكافور وخصه بها من سطحية ومباشرة فإنه قد جاوز الحد في الجرأة احتقاراً له وانتقاصاً لشأنه حينما خاطبه بطريقة مباشرة بمآربه ورغائبه التي من أجلها جاء ليقول له:
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله <><> فإني أغني منذ حين وتشربُ
وهبت على مقدار كفي زماننا <><> ونفسي على مقدار كفيك تطلبُ
إذا لم تَنُطْ بي ضيعة أو ولايةً <><> فجودك يكسوني وشغلك يسلبُ
فهو هنا أراد بالكأس مملكة كافور، والفضل الذي يريده طرفاً من هذه المملكة، بدلالة البيت الثالث ذي الضيعة والولاية، فهو قد سئم من عطايا أكف الزمان التي يتساوى فيها الناس فلا تعدو أموالاً جامدة لا تحقق له مطامح كفيه ولا تصل إلى قدرها؛ وهذه القيمة الزمانية قد نالها بجهده ومكانته وقيمته الأدبية فلا فضل لكافور فيها وإنما يريد أن ينال أعظم مما يناله بجود زمانه عليه! يقول ابن جني في الفسر عند البيت:
وهبت على مقدار كفي زماننا <><> ونفسي على مقدار كفيك تطلبُ
"قال لي المتنبي وقت القراءة عليه: كنت إذا خلوت أنشد هذا البيت:
وهبت على مقدار كفيك عسجداً <><> ونفسي على مقدار كفيَّ تطلبُ
فيما يرويه ابن جني عن المتنبي من أقوال متناثرة في فسره ما ينبئ عن خلة دفينة في أبي الطيب وهي مثلبة عظيمة لا ترقى إلى توق نفسه وتطلعها إلى ما هو أكبر منها ويصدق عليه تمام الصدق قوله:
وإذا كانت النفوس كباراً <><> تعبت في مرادها الأجسامُ
¥