هذا البيتُ رواه أبو عثمان الجاحظ (ت 255 هـ) في (البيان والتبيين 1/ 218)، ولكنَّه لم ينسُبه. وقد كنتُ أراه في كثيرٍ من كتبِ النَّحو، وأرى اختلافَهم فيه، وتنازعَهم في صِحَّة الاحتجاجِ به على (الكلام النفسي)، فمِنهم مَن يطعُن في رِوايته، ويزعم أنها (إنّ البيان لفي الفؤادِ)، ومنهم مَن يقولُ: هو غير ثابتٍ في ديوانِ الأخطلِ، فلا حجَّة فيه. وأعجَبُ من هذا مَن يأبى الاحتجاجَ به لأن الأخطلَ نصرانيّ! وهكذا تصنع الأهواءُ إذا عُورِضت بالأدلَّة.
علَى أنِّي وجدتّ أبا الطيِّب الوشّاء (ت 325 هـ) وأنا أتصفّح كتابه (الموشَّى 16) آنفًا ينسُبه إلى الأخطلِ. ولعلَّه من أقدَم من ذكرَ هذه النِّسبة. وفيها مجالٌ للبحثِ.
ـ[أبو طيبة]ــــــــ[02 - 01 - 2013, 12:23 ص]ـ
قال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني-رحمه الله- (ت 728هـ)
في "مجموع الفتاوى" (7/ 138 - 140، الطبعة السعودية، 1425هـ):
«وَأَمَّا الْبَيْتُ الَّذِي يُحْكَى عَنْ الْأَخْطَلِ أَنَّهُ قَالَ:
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
فَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ شِعْرِهِ.
وَقَالُوا: إنَّهُمْ فَتَّشُوا دَوَاوِينَهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَهَذَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَشَّابِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَفْظُهُ: إنَّ الْبَيَانَ لَفِي الْفُؤَادِ.
وَلَوْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فِي مَسْأَلَةٍ بِحَدِيثِ أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لَقَالُوا: هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَيَكُونُ مِمَّا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ.
وَهَذَا الْبَيْتُ لَمْ يُثْبِتْ نَقْلَهُ عَنْ قَائِلِهِ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ لَا وَاحِدٌ وَلَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ بِالْقَبُولِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ اللُّغَةِ، فَضْلًا عَنْ مُسَمَّى الْكَلَامِ.
ثُمَّ يُقَالُ: مُسَمَّى الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَوْلِ شَاعِرٍ؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَرَفُوا مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِمْ، كَمَا عَرَفُوا مُسَمَّى الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ.
وَأَيْضًا فَالنَّاطِقُونَ بِاللُّغَةِ يُحْتَجُّ بِاسْتِعْمَالِهِمْ لِلْأَلْفَاظِ فِي مَعَانِيهَا، لَا بِمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْحُدُودِ؛ فَإِنَّ أَهْلِ اللُّغَةِ النَّاطِقِينَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ الرَّأْسَ كَذَا، وَالْيَدَ كَذَا، وَالْكَلَامَ كَذَا، وَاللَّوْنَ كَذَا، بَلْ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ دَالَّةً عَلَى مَعَانِيهَا، فَتَعْرِفُ لُغَتَهُمْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمْ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْأَخْطَلَ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنْ يَذْكُرَ مُسَمَّى "الْكَلَامِ"، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الشُّعَرَاءِ يَقْصِدُ ذَلِكَ الْبَتَّةَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ - إنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ- مَا فَسَّرَهُ بِهِ الْمُفَسِّرُونَ لِلشِّعْرِ، أَيْ: أَصْلُ الْكَلَامِ مِنْ الْفُؤَادِ، وَهُوَ الْمَعْنَى؛ فَإِذَا قَالَ الْإِنْسَانُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ فَلَا تَثِقْ بِهِ؛ وَهَذَا كَالْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، ذَكَرَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ:
لَا يُعْجِبَنَّكَ مِنْ أَثِيرٍ لَفْظُهُ ... حَتَّى يَكُونَ مَعَ الْكَلَامِ أَصِيلَا
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلَا
نَهَاهُ أَنْ يُعْجَبَ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرِ، حَتَّى يُعْلَمَ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ الْأَصْلِ؛
وَلِهَذَا قَالَ: حَتَّى يَكُونَ مَعَ الْكَلَامِ أَصِيلَا.
وَقَوْلُهُ: " مَعَ الْكَلَامِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الظَّاهِرَ قَدْ سَمَّاهُ كَلَامًا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قِيَامُ مَعْنَاهُ بِقَلْبِ صَاحِبِهِ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ فَقَدْ اشْتَمَلَ شِعْرُهُ عَلَى هَذَا وَهَذَا؛ بَلْ قَوْلُهُ: " مَعَ الْكَلَامِ " مُطْلَقٌ. وَقَوْلُهُ: "إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ" أَرَادَ بِهِ أَصْلَهُ وَمَعْنَاهُ الْمَقْصُودَ بِهِ، وَاللِّسَانُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
وبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَعْرِفَ مُسَمَّى " الْكَلَامِ " فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَسَائِرِ أَجْنَاسِ بَنِي آدَمَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَةِ طُرُقِ الْعِلْمِ.
ثُمَّ هُوَ مِنْ الْمُوَلَّدِينَ؛ وَلَيْسَ مِنْ الشُّعَرَاءِ الْقُدَمَاءِ، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ كَافِرٌ مُثَلِّثٌ، وَاسْمُهُ الْأَخْطَلُ، وَالْخَطَلُ فَسَادٌ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، وَالنَّصَارَى قَدْ أَخْطَئُوا فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ، فَجَعَلُوا الْمَسِيحَ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ هُوَ نَفْسَ كَلِمَةِ اللَّهِ».
وقال تلميذه ابن قيم الجوزية -رحمه الله- (ت 751هـ)
في "الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة" (1/ 344 - 345، ط دار العاصمة، 1408هـ):
«وقال الشاعر:
إن البيان من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
هكذا قال الشاعر هذا البيت، وهكذا هو في ديوانه.
قال أبو البيان: أنا رأيته في ديوانه كذلك، فحرفه عليه بعض النفاة، وقالوا:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلا».
¥