فقد ذكروا أن النعمان بن المنذر قتل عدي بن زيد، فكان زيد بن عدي بن زيد يتربص بالنعمان الدوائر ليثأر بأبيه، وكان زيد هذا ترجمانا لكسرى، فأشار على كسرى أن يتزوج إحدى بنات النعمان، وذكر له من جمالهن، وكان زيد يعلم أن النعمان سيمتنع من ذلك لأنفة العرب في ذلك الزمان من تزويج الفرس، فلما خطبها إليه كسرى رده النعمان، لكنه تلطف في الجواب، وقال في ما قال: "لقد كان في بقر العراق مندوحة للملك عن هؤلاء الأعرابيات"، يعني ببقر العراق نساءه الجميلات، وهذا من كنايات العرب عن النساء، ويعني بالأعرابيات بناته.
فلما وصل الكتاب إلى كسرى ترجمها زيد بن عدي بن زيد ترجمةَ لفظ، وقال للملك: إن النعمان يتهم الملك بأنه يأتي البقر والبهائم، وأن له فيهن مندوحة عن النساء.
وهذا كذب على النعمان، وإنما أراد النعمان بالبقر النساء الجميلات ولم يرد البقر التي هي ضرب من الأنعام.
فغضب كسرى وأشخص إليه النعمان، وأمر بوضعه تحت أرجل الفيلة فداسته حتى هلك.
وإنما هذا مثال على ما تفعله الترجمة من إضرار بالكلام الأدبي شعرا كان أم نثرا، فإن الترجمة تُبقي على المعنى في الجملة، أما المحسنات اللفظية فإنها تُودي مع الترجمة، وتصير أثرا بعد عين.
فينبغي أن يُحرص على تعلم العربية، وقراءة أدبها بها، وأنا أراك -ولله الحمد- تحسن العربية وتكتب بها أحسن من كثير من العرب، وهذا القدر يكفيك لقراءة أي كتاب عربي.
أما سؤالك عن الكتب في الأدب المنثور فأختار له (مقامات الحريري)، ولست أقدم عليها شيئا من كتب الأدباء، وكذلك (رسائل الجاحظ)، مع الحذر مما فيها من عقائد المعتزلة، فإن الجاحظ رأس من رؤوس الضلالة، وكتاب (الأدب الكبير والأدب الصغير) لابن المقفع.
والله تعالى أعلم.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيراََ.وكتاب المقامات للحريري له صلة وثيقة بالطالب الصومالي، حيث كان العلماء يدرسونه في حلقات العلم كآخر كتاب في سلسلة الأدب بعد المعلقات ولكن وللأسف كانوا يترجمونه حرفا حرفا،وياليت الترجمة - على ضعفها - بقيت!.
اليوم تضآلت تلك الحلقات فينا واندرست حتى كادت تختفي؛لما مرَّ وما يمرُّ من فتن ومحن، أعاذنا الله منها ومنكم ومن جميع المسلمين.
ـ[عائشة]ــــــــ[27 - 08 - 2013, 02:19 م]ـ
جزاكم الله خيرًا.
قال صلاح الدين الصفديُّ في {نصرة الثائر} عن مقامات الحريري:
(وناهيك بكتابٍ اشتهر، وضُرب به المثل، وأصبح إحدى الأثافي في علم الأدب، وأصبحت ألفاظه ومعانيه حجَّة، ونقلت بها النُّسخ عدد حروفها.
وسار مسيرَ الشمسِ في كل موضعٍ * وهبّ هبوبَ الريح في البرّ والبحرِ
وما رأيت ولا سمعتُ بمن أخذ جزءًا من ترسل، وقرأه على شيخٍ، وحفظَه، وطلب به الرّواية، وعلّق عليه حواشي لغة، وإعراب، ومعانٍ.
وقد وضع النَّاس الشروح المبسوطة على المقامات؛ مثل المسعوديّ؛ فإن له عليها شرحين، والمطرّز، وابن الأنباري، وأبي البقاء، وغيرهم.
ولقد رأيتُ بعضهم يزعم أنها رموز في الكيمياء، ويُحكَى أن الفرنج يقرؤونها على ملوكِهم بلسانِهم، ويصوّرونها، ويتنادمون بحكاياتها، وما ذاك إلاَّ أنَّ هذا الكتاب أحد مظاهره تلك الحكايات المُضحِكة، والوقائع التي إذا شرع الإنسانُ في الوقوف عليها؛ تطلّعت نفسُه إلى ما تنتهي إليه، وتشوَّفَتْ نفسُه إلى الوقوف على آخر تلك القصَّة. هذا إلى ما فيها من الحِكم والأمثال التي تُشاكل كتاب "كليلة ودمنة"، وإلى ما فيها من أنواع الأدب، وفنونه المختلفة، وأساليبه المتنوّعة ...
وقد ظلَمَ المقاماتِ مَن جعلَها من باب الترسُّل، والترسُّلُ جزءٌ منها؛ بل هي كتاب علم في بابه. وبلاغةُ الرجلِ تُعلَم من ذكرِه لشيءٍ في غالب مقاماتِه بالمدح والذم، وهذا هو البلاغة؛ أن تصف الشيءَ ثم تذمّه، أو بذمٍّ ثم تمدحه ...
وفصاحتُه تُعلم من أخذه الأمثال السَّائرة، وضمّها إلى سجعةٍ أحسن منها ...
وما تناهيتُ في بثّي محاسنَه * إلاَّ وأكثرُ ممَّا قلتُ ما أدعُ) انتهى.
ـ[ابن أيمن الصرفي]ــــــــ[28 - 08 - 2013, 12:35 ص]ـ
وما رأيت ولا سمعتُ بمن أخذ جزءًا من ترسل، وقرأه على شيخٍ، وحفظَه، وطلب به الرّواية، وعلّق عليه حواشي لغة، وإعراب، ومعانٍ. أرجو توضيح هذه الفقرة من كلام الصدفي. بارك الله فيك.
ـ[بلال الخليلي]ــــــــ[29 - 08 - 2013, 07:41 ص]ـ
مثل المسعوديّ؛ فإن له عليها شرحين
لم يُذكر هذا إلا من قِبل الصفدي فقط، والله أعلم.
ولعل كلمة (شرحين) كانت بعد (ابن الأنباري)؛ فحدث خطأ من الطابع.
لأنه الوحيد - ممن ذكرهم الصفدي - الذي ذُكر له أكثر من شرح، على المقامات.