ـ[سعد الماضي]ــــــــ[18 - 12 - 2013, 05:17 م]ـ
ما أسوا أن ينطلق التأليف من انفعال مترنح، كأن يرى المؤلف أهليته للتأليف حول أحقية قومه الأقربين بإرث شاعر جاهلي قديم، حتى إذا ما صمدت في وجهه أسماء المواضع مال عليها بمعوله، فهدم جانبا منها فمشى عليه، وعجز عن هدم جوانب أخرى، فعمد إلى صورتها فعدلها بطريقة ما يعرف اليوم بالفوتوشوب، ونشرها على الملأ غير آبه بما يقال عن تزويرها.
أقول هذا بعد أن ألزمت نفسي بمكث ثلاث ساعات أمام صفحات كتاب (تصحيح الرؤى عن بيئة الشنفرى) الذي ألفه محمد بن زياد بن مسفر اليوسي الزهراني، الذي جعل من نفسه في عنوان الكتاب مصححا ومحققا.
ولو أني قرأت الكتاب بغرض نقده لبلغ تعليقي عليه عشرات الصفحات، ولكني طالعت في الكتاب لأعرف منهج مؤلفه، ومدى إحاطته بما يكتب، وخرجت من هذه المطالعة بملحوظات كثيرة، لعل من أبرزها:
- ذكر المؤلف صدور كتابين عن الشنفرى وشعره، أحدهما ديوانه بتحقيق د. إميل بديع يعقوب، والآخر دراسة عنه لمصطفى عيد الصياصنة، وهذا جانب جيد يزيد من فائدة المقدمة ويعكس مدى اطلاع كاتبها عن موضوعه.
- علق على (ديوان الشنفرى)، بجمع وتحقيق وشرح د. إميل بديع يعقوب، الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1411 هـ، 1991 م عن دار الكتاب العربي ببيروت، بقوله تحت عنوان: "تأملات سريعة في مقدمتي الكتابين": "لا أدري إذا كان الباحث مسلما أو لا، فقد خلت المقدمة من ذكر الله كالبسملة والثناء على من علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم كما تعودنا من الكتاب المسلمين في تصديرهم لكتبهم ومؤلفاتهم" ... إلخ.
إن جهله بالدكتور إميل يعقوب وكونه نصرانيا كان إحدى مفاجآت مقدمة الكتاب الذي لم ندخل إلى لب موضوعه بعد!
ومن ضمن تأملاته حول عمل الدكتور يعقوب، قال: "ذكر الحديث الشريف (علموا أولادكم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق) ولم يخرّج الحديث بل قال في الحاشية إنه عن الروائع، فحير القارئ ومما زاد من حيرته قوله: (فإذا صح هذا الحديث كانت لامية العرب جاهلية وسقط ادعاء نسبتها إلى خلف الأحمر الذي عاش في القرن الثاني الهجري ... وكنت أتمنى لو اكتملت الصورة بتخريج الحديث وسنده ثم الاهتمام بجوهره والبيئة التي قيل فيها".
لا تعليق على جعله هذا الأثر حديثا وعتبه على الدكتور يعقوب بعدم تخريجه!
- في ص (65) دلل على تجارة الرقيق بقصة شعبية لمملوكة بيع معها ولدها غيلان، وتُرك ولدها قديدي في بلدتها الأولى، فلما رأت البرق هزها الشوق إلى قديدي .. وأتى بأبيات عامية تتوجد فيها المرأة على ابنها الآخر.
إن سياق الأبيات يوحي بأن المعني فيها هو وادي قديد الشهير في الحجاز.
- في معظم صفحات الكتاب يأتي بالأبيات مزيدة الحروف، فكيف يحلل الأبيات من لا يستطيع وزنها!
- نسي المؤلف عنوان كتابه، فأصبح يجول بين المناسبات ويكتب في شعرها الحديث، بعد محاولته الوصول إلى فهم بيئة الشنفرى من خلال الشعر العامي الحديث في بيئته المحدودة.
وقد جاء عنوان القسم الثالث من الكتاب: "أعلام من بيئته"، بين الصفحتين (87) و (239)، وقسم هؤلاء الأعلام إلى صنفين:
أ- أعلام قبل الإسلام ومخضرمين.
ب- أعلام معاصرين.
ونستطيع أن نقول: إن شطرا من الصنف الأول من الصفحة (124) حتى نهاية القسم زيادة لا علاقة لها بالشنفرى، ومقداره (116) صفحة من بين (396) صفحة، أي نحو (30%) من حجم الكتاب.
- تحليل أماكن الأبيات اعتداء من المؤلف على الأسماء الأصلية بذريعة تصحيح التصحيف، غير ما فعله بالأسماء التي تفضح اجتهاده، كتغيير "قو" إلى "قلوة" وتغيير "السرد" إلى "السود" ضاربا بروي القافية في الأبيات عُرض الحائط.
- الكتاب لا يخلو من أخطاء نحوية تتوغل داخل الأبيات، فتخل بوزنها وتغير وجه دلالتها.
غاية القول:
ربما يشتهر كاتب بسبب كتاب له راج في سوق المكتبات حينا، ولكنه ربما كان قاصمة الظهر.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[19 - 12 - 2013, 03:19 ص]ـ
واصل أيا أستاذنا البلداني، حبذا لو زدتم من هذا التوضيح بأسلوبكم الجميل.
وأنتم تعلمون أنني تكلمت عن هذا الكتاب قبل سنتين في حديث (إصلاح التحريفات والتصحيفات الواقعة في الأبيات)، فوثب علي بعض الناس، وساورني بضعة أيام، يصول ويجول، ويَبرُق ويَرعُد، ويدافع عن هذا الكتاب دفاع المُستميت المُستقتل، وكأن هذا الكتاب ما صنف في تاريخ البشر مثله، وإنما هو عبث كعبث الأطفال ولعبهم.
ولو كان لي من الأمر شيء لمنعت هؤلاء من التصنيف والتأليف، ولو وصل بي الأمر إلى أن أَحبِسَهم وأَحصُرَهم، حماية للناس من غشهم وتدليسهم.
ونحن ننتظر من أستاذنا سعد الماضي ما تسمح به نفسه، ويسع له وقته، من هذه التنبيهات، ليس لعظم شأن الكتاب وجلالة خَطَره، ولكن ليعرف أمثال هؤلاء من العابثين أنهم لن يعبثوا بالعلم كما يشاؤون، وأنهم سيجدون من يكشف جهلهم وغشَّهم وتدليسهم، ويحذِّر الناس منه، فيكون في ذلك زجر لهم عن هذا المسلك الرديء.
¥