إن البطلة، بسلوكها هذا وشكواها الكاذبة التى لا تنتهى، لتذكرنى بالشحاتين المحترفين الذين يرفعون عقائرهم (أقصد "حناجرهم"، وإن كانت هذه غير تلك، ولكنْ هكذا صار الأمر) دائما أبدا بشكوى الفقر والمرض رغم كل ما ينهال عليهم من أهل الخير السذج من النقود والطعام والملابس، ومع هذا نراهم كل مرة بنفس الملابس القديمة الوسخة ونفس الشكوى من الفقر والمرض. والغريب أنهم لا يغيرون المنطقة التى يشحتون فيها، على الأقل: كيلا ينكشفوا. ولكنهم قوم بهت لا يخجلون. وأخيرا أيضا تنتهى بطلتنا بالعودة من ذكرياتها الطويلة المنثالة إلى حيث تجلس ويجلس أمامها حبيب قلبها، الذى يظل يناديها، كما تقول هى، لينبهها إلى وجوده فلا يفلح أبدا إلى أن ينتهى بنزين ذكرياتها فتتوقف سيارتها رغما عن أنفها لا برضاها ولا بلياقة منها: لا اللياقة الفنية التى ينبغى أن تراعيها فى بناء روايتها ولا اللياقة السلوكية التى ينبغى أن تراعيها فى التصرف تجاه حبيبها.
وننتقل إلى الفصل الثالث ظانين أن البطلة قد شبعت انصرافا عن حبيب الروح الذى كانت تنتظره طوال عمرها "على أحر من الجمر" كما تقول العبارة التقليدية، وسوف تقبل عليه انتهازا لفرصة اللقاء السعيد، لكننا نفاجأ بها تتحول إلى موضوع آخر ضربت فيه صفحا عن حبيبها تماما حتى لم نعد نعرف ألا يزال جالسا معها فى القهوشية يحاول أن ينبهها لوجوده مرارا دون أن تلقى إليه بالا من فرط استغراقها فى خواطرها وذكرياتها وتطلعاتها ومخاوفها. وهذا الموضوع الجديد هو رغبتها فى الذهاب إلى جنوب لبنان مع الصحفيين من زملائها لتكون على مقربة من فلسطين حيث كان الإسرائيليون ماضين فى قتل الرجال والشبان والأمهات والأطفال وهدم البيوت على رؤوس أصحابها دون أن يعبأوا بالمظاهرات التى اجتاحت العالم كله، تلك الرغبة التى تصطدم بمعارضة أبيها الرافض لسفر امرأة مطلقة مثلها كان ينبغى أن تبقى فى البيت إلى أن تتزوج مرة أخرى قطعا للألسنة التى لا ترحم المطلقات. وهذا هو بيت القصيد الذى اصطنعت البطلة تلك القصة كى تصل إليه وتسمعنا مندبة عن المطلقات.
ويهمنى هنا أن أتريث قليلا أمام اشتغالها صحفية أولا، ورضا أبيها باشتغالها تلك الشغلة ثانيا. فأما الأولى فقد تركنا البطلة فى الفصل الأول وقد قرر الأب والأم أن تتزوج من أحد أقربائها وتترك التعليم، الذى سيفسدها ويعلمها الحب والفجور. ترى كيف وافق الوالد المستبد المتخلف الرجعى صاحب الدماغ الحجرية والقلب الصوانى الذى لا يتفاهم ولا يرى للفتاة ولا للمرأة حقا فى أى شىء على أن تشئتغل ابنته شغلة تقتضيها الخروج معظم الوقت وحدها من البيت لا يدرى أثناءها ماذا تفعل ولا مع أى شخص تتواصل ولا أين تذهب؟ وأين الخوف الذى وصفت به البطلة نفسها وجميع نساء أسرتها، وها هى ذى تعترض على قرار أبيها بعدم السفر غير خائفة منه: لا من الأب ولا من السفر؟ فكيف تقول عن نفسها إنها "امرأة خائفة" بل تجعل من تلك العبارة عنوانا لروايتها؟ ثم ها هى ذى أمها أيضا تقف إلى جوارها فى موضوع السفر وتعارض زوجها دون أى خوف منه، فيسلم الأب بما تقول مذكرا إيانا بالرجل ذى العينين المتخاصمتين فى فلم "ابن حميدو"، الذى لم تكن كلمته تنزل الأرض أبدا، حتى إذا أتأرته زوجته النظر بعينيها الناريتين وشمرت عن زنديها السمينين وقالت له بصوتها الملعلع: "حنفى؟ " انهار حنفى فى الحال ولعق تهديداته المقعقعة وقال وقد كسر رأسه ووضع عينيه فى الأرض باستخذاء تام: "خلاص! هذه المرة تنزل كلمتى الأرض! ". ومن الغريب العجيب أن البطلة تصف الأب فى الفصل التاسع بأنه "يخفى تحت صرامته حنانا كثيرا وقلبا ضعيفا أخفاهما خلف قسوة الخوف علينا، على بناته وسمعته وشرف تقاليده الموروثة". فأين الكلام المجعلص عن قسوة الأب وديكتاتوريته الوحشية التى لا تعرف الهوادة؟
¥