الحياة وأنها قائمة على الاختلاف فى كل شىء بما فيها الأديان والمذاهب مثلما شرح لنا القرآن الكريم، وعلى أن لكل إنسان الحق فى أن يؤمن بما يشاء ويكفر بما يشاء مثلما شرح لنا أيضا القرآن الكريم، وأن إيمان المسلم بأن دينه هو وحده الدين الحق شىء، والإيمان بنفس القوة والإخلاص بأن اختيار المخالفين لنا لدينهم ومذهبهم هو حق من حقوقهم التى لا يجوز الجور عليها أو انتقاصها كما يفهمنا ديننا كذلك شىء آخر لا يتعارض معه بل ينبغى أن يتعايش الأمران فى عقل المسلم وقلبه فى تفاهم وسلام.
ولا أظنك، عزيزى القارئ، قد نسيت زعم البطلة أنها لم تكن تنكشف على أحد أو يراها أحد. فها هى ذى قد لحست كلامها كله إذ تحدثت عن خروجها مع جدتها (وأين؟ إلى الكنيسة) دون أن تبالى بأن يراها هى وجدتها أحد لا من أمة محمد بل ولا من أمة غير محمد. فماذا ينبغى أن نقول؟ ورغم هذا تذكر بعد قليل أنها قد عوقبت هى وأختها عقابا شديدا من أبيها لأنهما ركبتا الأرجوحة التى كانت منصوبة بجوار بيتهم. لماذا؟ لأن الأنثى لا يصح أن تتأرجح. وكأن بنات مصر فى شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها لا يركبن الأراجيح والأحصنة والصناديق وكل ما يخطر على البال من الألعاب المعروفة فى الموالد والأعياد. وإلا فإلى أى البلاد تنتمى البنات والفتيات اللاتى يركبن الأراجيح؟ ثم من أين يا ترى تأتى الفتيات والنساء اللاتى يذهبن إلى المدارس والجامعات متعلمات ومعلِّمات أو يقصدون الأسواق شاريات بائعات، وينكشفن بطبيعة الحال على الرجال فى ذهابهن وإيابهن ويرى الرجال بعيونهم التى تستحق الخزق وجوههن وقوامهن وملابسهن ويسمعون أصواتهن؟ أهن مستوردات من أوربا؟ البطلة تتكلم فى مثل هذه الموضوعات بكل خفة واستخفاف، وكأنها تخاطب قومًا بُلْهًا لا عقل عندهم ولا فهم ولا تمييز.
وفى هذا الفصل أيضا تنتهز البطلة كل فرصة لتنخرط فى فاصل من الأغانى الشعبية التى من الواضح أنها تحفظها جيدا، فتوردها بتمامها أغنية وراء أغنية مثلما فعلت فى الفصل السابق بداعٍ حينا، وبدون داعٍ سوى الاستعراض فى كثير من الأحيان. ومثل ذلك غرامها بترديد الأمثال الشعبية سواء كانت هناك حاجة لهذا أو لا. ولعلها تظن أن اللون المحلى، الذى كان يوما ما هوسا لدى القصاصين، يقتضى ذلك. وهناك أيضا الاستطرادات والدخول من حكاية إلى حكاية لأوهى سبب، وإن كان من الجلى أن هذا يشبع لدى البطلة الرغبة فى الحكى والثرثرة.
ثم تختم البطلة فصلها الثانى، وهو فصل مفعم بالثرثرة كسابقه، بموضوعها الذى تدمنه، ألا وهو التباكى على أنها لا تستطيع أن تحب أو تعبر عن حبها لمن تحب، رغم أنها تمارس الحب أمامنا بكل حرية وأريحية وأستاذية، وعلى أنغام فلوت جورجى زامفير، وفى ضوء الشموع، ويمسك الحبيب بيديها فى حنان، ويقبلها قبلة فوق الجبين، ومعروف أن الذى فوق الجبين لا بد أن تشوفه العين، ولا بد أن تذوقه الشفاه يوما، فالمسافة بين الجبين والشفاه لا تزيد على بضعة سنتيمترات يمكن أن تتلاشى تماما لو انزلقت شفاه المقبِّل سهوا أو خطأً أو لسبب آخر غير السهو والخطإ، وما أكثر تلك الأسباب! ليس ذلك فحسب، بل إن البطلة تريد فوق البيعة أن تنهض فتراقص حبيب القلب رقصة "سْلُو"؟ ثم إن هذا ليس هو اللقاء الوحيد بين العاشقين بل سبقته لقاءات وحوارات وغراميات كثيرة أمسك فيها الحبيب يديها، واستعرض مهاراته الغرامية وعدَّد لها طوائف النساء اللاتى وقعن فى دباديبه، ونظر بهيام وغرام وانتقام فى عينيها، وأسمعها كثيرا من الكلام التافه الذى تعشقها أمثالها من المتحذلقات الفارغات العقل والقلب رغم ظنها أنها مثقفة ومستنيرة وتبغض البطرياركية الاستبدادية وتريد الانعتاق والانطلاق وتعمل على تحقيق الذات.
¥