عشرين صفحة بالتمام والكمال.
لكن بطلة الرواية مغرمة بالسرحان لأتفه سبب، ومن ثم فما إن عبَّر حبيبها عن دهشته من أمر ما حتى ألفيناها تتركه وتسرح مرة أخرى فى أمر مشابه، وكأنها "تتسلبط". إنها مدمنة سرحان. وكانت قبل قليل قد قالت إنها حريصة على الحديث مع حبيبها فى أى موضوع خشية إصابته بالملل جراء صمتها. لكن من الواضح أن كلام الليل عندها المدهون بالزبد سرعان ما يسيح دون انتظار الصباح، بل فى التو واللحظة، إذ ها هى ذى تترك حبيبها جالسا أمامها كالبيت الوَقْف وتذهب إلى حادثة جرت فى 1980م بالقاهرة تقول عنها إنها فى ذلك اليوم (أى يوم يا ترى؟ لا يهم، إنه يوم والسلام من أيام سنة 1980م الثلاثمائة والثلاثة والستين. ونترك لك، أيها القارئ، حرية الاختيار. والمهم أنه يقع فى عام 1980م، وهذا ليس بالشىء القليل. واحمد ربك أنها حددت المكان بمدينة القاهرة، ولم تقل إن تلك الحادثة قد وقعت فى جمهورية مصر العربية كلها) تقول إنها فى ذلك اليوم كانت تنظر من خلف النافذة الخشبية المغلقة فرأت عشرات من جنود الأمن المركزى ينتشرون فى الشارع يحرسون المسجد والكنيسة الموجودين هناك. تقصد تداعيات ما وقع من أحداث فى الزاوية الحمراء. والاكتفاء بأن الحادثة التى تشير إليها قد وقعت فى عام 1981م هو لون من التهافت الفنى لأن مثل هذه الأحداث لا يصح أن يقال إنها وقعت فى العام الفلانى. هذا فى الواقع تسيب وتفكك لا يقع فيه إلا كاتب متهافت الموهبة. دعك من القول بأنها نجيب محفوظ آخر. ومع هذا فالحمد لله أنها لم تقل إن تلك الواقعة قد حدثت فى القرن العشرين!
ثم نرى البطلة المحروسة تذكر اصطحاب جدتها (أم أبيها) لها ذات يوم إلى الكنيسة التى فى حيهم. وكانت المحروسة فى العاشرة من عمرها، ولم تكن قد دخلت كنيسة من قبل. ومع هذا نراها تتعرف على تمثال العذراء على الفور، مع أن هذا غير ممكن من طفلة فى مثل سنها لا تعرف شيئا عن الكنيسة ولا عن النصرانية. ثم تقول إنها رأت فى ناووس زجاجى تمثالا لامرأة غاية فى الجمال والرقة والحشمة لا تعرف من هى، لتنسى هذا بعد عدة جمل وتقول إنها كانت تدرك آنذاك أن هذا التمثال هو للقديسة المذكورة. كيف تقول إنها لم تكن تعرف لمن التمثال، ثم تقول بعد عدة جمل إنها كانت تدرك لمن هو؟ واضح مدى التفكك الذى يسم بل يصم الرواية حتى فى هذه التفاصيل التافهة، وهو ما يومئ إلى أن بطلتنا ضحلة الموهبة، ويومئ أيضا أن الدعاوى السخيفة على قفا من يشيل. ألم يقل القائلون إنها نجيب محفوظ جديد؟
كذلك نراها تَسْرُد ما وقع من جدتها المذكورة فى تلك المناسبة من استشفاعها عند الله بالعذراء والقديسة تيريزة سَرْدَ المسرور الراضى لأن هذا دليل على رسوخ الوحدة الوطنية فى مصر، وكأن الوحدة الوطنية لا تقوم إلا بنسيان المسلمين أصول دينهم وأسسه ومجاملة إخوانهم فى الوطن بالتعبد بما لا يقبله دينهم على أى نحو من الأنحاء. إن الإسلام لا يعرف توسيط النبى محمد ذاته عند الصلاة والدعاء، فكيف يقبل توسيط تيريزة، والدين الذى تدين به تيريزة مرفوض فى الإسلام؟ إننا نحترم اختيارات الآخرين لما يعتقدونه وما يتعبدون به، لكن ليس معنى هذا أن نعتقد ما يعتقدون أو نردد ما يرددونه فى عباداتهم. هذه نقرة، وتلك نقرة. قد تكون جدة البطلة جاهلة لا تفهم، ولكن ما عذر البطلة، وهى المثقفة التى تعرف موسيقى زامفير، وكذلك الرقص "السّلُو"؟
لقد أنكرت البطلة (فى دخيلة نفسها) آنذاك على جدتها ما صنعت، فما الذى غيرها وأراها الأمور الآن بعين أخرى؟ ثم إذا كانت ترفض وقتئذ هذا الذى صنعته جدتها فلماذا لم تصارحها بهذا الرفض؟ بل لماذا لم تثر هذا الموضوع فى البيت أمام أعضاء الأسرة كما يتوقع فى مثل تلك الحالة من طفلة فى سنها لا تعرف اعتبارات المجاملة؟ بل لماذا لم تخبرها الجدة قبل الخروج من البيت بطبيعة المشوار التى تنوى أن تصطحبها فيه على عادة الناس فى مثل تلك الظروف، على الأقل: ردا على فضول الطفلة الصغيرة التى تحب أن تعرف إلى أين تأخذها جدتها؟ وقبل ذلك كله لم يا ترى ذهبت الجدة أصلا إلى الكنيسة للتشفع بقديسيها؟ لم تذكر الرواية أى سبب لذلك. ولا أظن إلا أن الرواية اصطنعت تلك الواقعة اصطناعا لتفهمنا أن الوحدة الوطنية تقتضى هذا رغم أن الوحدة الوطنية الحقيقية إنما تقوم على تفهم طبيعة
¥