ملتقي اهل اللغه (صفحة 4044)

قد علِمتَ أنَّ (اللغة) مشتقَّةٌ من قولِهم: (لغِيَ بالشيءِ) إذا أولِع به. وسنذكرُ لكَ من عرَفْنا من العلماءِ المتقدِّمين الذين روَوا هذا المعنَى، ونعزو ذلك إلى كتبهم، أو كتب من نقلَ عنهم، استيثاقًا في الحجَّة، وإتمامًا للمنفعة. واقتصرنا على هذا الأصل، إذْ كانَ هو الأصلَ الذي اشتُقَّت منه (اللغة).

فقد روَى هذا الفعلَ عن العرب أبو الحسن الكسائيُّ (ت 189 هـ) كما حكَى عنه أبو عبيدٍ (ت 224 هـ) في «الغريب المصنف» ([4] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn4))، ورواه تلميذه أبو زكرياءَ الفراءُ (ت 207 هـ) كما حكَى عنه الوزير المغربي (ت 418 هـ) في «أدب الخواص» ([5] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn5))، وأبو عَمْرٍ الشيبانيُّ في «الجيم» ([6] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn6))، وأبو الحسنِ الأخفشُ (ت 215 هـ) في «معانيه» ([7] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn7))، وأبو مِسحل الأعرابيُّ (ت بعد المئتين) في «نوادره» ([8] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn8))، وابنُ الأعرابيِّ كما حكَى عنه الوزير في «أدب الخواص» ([5] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn5))، وابنُ السكيت (ت 244 هـ) في «إصلاح المنطق» ([9] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn9))، وأبو سعيدٍ الضريرُ كما حكَى عنه أبو منصورٍ في «التهذيب» ([10] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn10)).

4- زعمٌ داحضٌ:

زعمَ بعض المحدثين كحسن ظاظا (ت 1420 هـ)، وغيرِه أنَّ (اللغة) كلمةٌ يونانيةُ المنبِت، أصلُها logos ([11] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn11)). وهذا باطلٌ، فإنَّ لهذه الكلمةِ وجهًا من الاشتِقاقِ في العربيَّة يَجوزُ أن تُرَدَّ إليه. ولا يوجب تقارب اللفظينِ في المعنَى أن يكون أحدهما أصلاً للآخر، ألا ترَى أن (سَبِطًا) ليس أصلاً لـ (سِبَطْر)، و (دَمِثًا) ليس أصلاً لـ (دِمَثْر)، وإن كانَ بمعناه ([12] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn12)). فإذا كان هذا بين ألفاظِ اللغة الواحدة، فكيفَ إذا كانَ ذلك بين ألفاظ اللغةِ، واللغاتِ الأخرَى.

وقد كنتُ ذهبتُ هذا المذهبَ زمنًا لخفاء وجه اشتِقاقِها، وقلَّة تعاورِها بينَهم، ثمَّ فُتِحتْ لي مسارِبُ من النظر ردَّتني إلى الصواب إن شاء الله.

وقد حكَى هذه الكلمةَ عن العربِ فريقٌ من العلماءِ هم أكثرُ من أن نحيطَ بهم، ونستقصيَ ذِكْرَهم، من أولهم صاحبُ «العين» ([1] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn1)).

فإن قِيلَ:

فما لنا لم نجدها في كلام من يُحتَجُّ به من العرب؟

قلتُ:

بلَى. قد وُجِدت في شواهدَ من الشِّعرِ، والنثرِ. فمن الشِّعر قولُ ذي الرمةِ:

من الطنابير يَزهَى صوتَه ثمِلٌ ... في لحنِه عن لغات العُربِ تعجيمُ

ومن النثرِ قولُهم: (سمعتُ لُغاتَهم)، روَى ذلك الكسائيُّ كما حكَى عنه الوزير المغربي في «أدب الخواص» ([13] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn13))، والفراءُ في «معانيه» ([14] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn14)) عن أبي الجرَّاح.

5 - من النظائر المستعملة:

ليس خافيًا أنَّ (اللغة) وإنْ كانت مستعمَلةً في كلامِ العربِ الأوَّلِ، فإنَّ ذلكَ على قلَّةٍ. وكانُوا يستعمِلونَ مكانَها كلمتينِ أخريينِ، هما (اللِّسان). ومنه قولُه تعالَى: ((بلِسانٍ عربيٍّ مبينٍ)) [الشعراء: 195]، و (اللَّحْن). وقد رواها الأصمعيُّ، وأبو زيدٍ كما حكَى عنهما أبو بكرٍ الأنباريُّ في «الزاهر» ([15] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn15))، وعنه نقلَ تلميذه أبو علي القالي في «أماليه» ([16] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn16))، ورواها أيضًا ابن قتيبة في «غريب الحديث» ([17] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn17)). ومنه قولُ الراجز:

*تراطنَ الزنجِ بلحنِ الأزنجِ* ([18] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn18))

ومِن اللُّغويِّين مَن يحتجُّ لذلكَ بمثلِ قولِ الشاعرِ:

باتا على غُصْن بانٍ في ذُرا فنَنٍ ... يردِّدان لحونًا ذاتَ ألوانِ

ويزعمُ أن (اللحون) في هذا البيت بمعنَى (اللغات). وليس هذا بيقينٍ، فقد يجوزُ أن يكونَ معناها (الأنغام). وهو معنًى صحيحٌ ثابِتٌ، ومحتمَلٌ في هذا الموضع.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015