ملتقي اهل اللغه (صفحة 3927)

المصنِّف ".

وهذه النُّسخة الفريدةُ التي يرويها ياقوت هي التى اعتمد عليها الزَّبيدي - رحمه الله - في تاج العروس، يقول عنها في مقدِّمة الكتاب:" عندي في ثمانية مجلَّدات بخطِّ ياقوت الرُّومي، وعلى هوامشه التَّقييدات النَّافعة لأبي محمَّد بن بَرّي وأبي زكريّا التَّبريزي ظفرت به في خزانة الأمير أزبك ".

وعلى الرُّغم من توافر هذه النُّسخة لديه فإنَّه لم يقف عند هذه النُّسخة فقط، بل نظر في نسخٍ أخرى، وهذا يعني أنَّ تحقيق الصِّحاح دون الرُّجوع إلى التَّاج فيه هدرٌ للعلم، وتجنٍّ على التَّحقيق، وهذا ما سيتَّضح لك.

لقد عرفتُ أنَّ الصِّحاح بتحقيق العطار يختلف في كثير من المواطن عن صحاح الجوهري في نسخة الزَّبيدي الفريدة مصادفة، وذلك أنِّي يوماً كنت أودُّ معرفة دلالة لفظة في الصِّحاح ثم أردت معرفةً واسعةً لمعانيها في التَّاج؛ لتوسُّعه واستدراكه فوجدته يعزو للجوهري خلاف ما هو في الصِّحاح المطبوع فساورني ظنٌّ أنَّ صِحاح الجوهريِّ المطبوع بتحقيق العطَّار لم يجعل من مصادره التَّاج، ثم صار الظنُّ يقيناً بعد متابعة فاحصة لمتن الكتابين، فجمعت اختلافات كثيرة زادت عن الستين، ونشرت بالثقافة العربية خمساً وثلاثين مادة فقط، ووعدت بجزء ثان ولم يحن وقته بعد، ولعله يكون قريباً، وسأعرض لك الآن جزءا من ذلك المنشور، وسترى أنَّ المحقِّق – رحمه الله – في اختياره لنسخه إمَّا أغفل ما في نسخة الصِّحاح الأصلية، وإمَّا أهمل زياداتِ نسخٍ أشار إليها الزَّبيدي، وإمَّا أضاف إلى الصِّحاح ما ليس منه، وهذا خطير:

1. (دكم) غير موجود في صحاح الجوهري المطبوع، ويشير الزَّبيدي إلى أنَّها توجد في بعض النُّسخ، فلو رجع إلى التَّاج لأثبتها أو أشار إلى ذلك في الحاشية قال الزَّبيدي:" هذه التَّرجمة ساقطةٌ من نسخ الصِّحاح وثبت في بعضها، وكتبها المصنِّف (الفيروزآبادي) بالحمرة؛ لأنَّه لم يجدها في نسخته ".

2. (دنقش) في الصِّحاح:" وقال يونس لأبي الدقيش: ما الدقيش؟ فقال: لا أدري هي أسماء نسمعها فنتسمَّى بها ".

والدقيش هذه الَّتي جاءت في الصِّحاح وردت في (دنقش).

والصَّواب أن تكون في (دقش) المفقودة في الصِّحاح المطبوع فقد ذكر الزَّبيدي قول يونس السَّابق في دقش لا دنقش، ولعل ناسخاً خلط بين المادتين في كلمة واحدة ويؤيد ذلك أن الزبَّيدي ينبِّه على الخلط بين المواد أي ما يذكره الجوهري في موطن وهو في موطن آخر.

3. (ذم) في الصِّحاح:" والذَّميم المخاط والبول الذي يذمّ ويذنّ من قضيب التَّيس وكذلك اللبن من أخلاف الشَّاة "، وفي التاج بعد نقله الكلام السابق:" وفي بعض نسخ الصِّحاح من أخلاف الناقة ".

4. (رجح): في الصِّحاح:" رجح الميزان يرجُح ويرجَح ويرجِح مثلثة الجيم رجحانا أي: مال "، وفي التاج:" ويرجح مثلثة واقتصر الجوهري على الفتح والكسر " فبان أنَّ الرِّواية بالضم في الصِّحاح المطبوعة غير صحيحة، فقد أوردها العطَّار تبعا لنسخته.

5. (ردم) في الصِّحاح:" وردمت الثوب وردمته ترديما " وفي التاج:" وقد ردمه ترديما أو ردمه ردما كما في الصِّحاح " فبان أنَّ في المطبوع نقصاً.

6. (سح) في الصِّحاح المطبوع:" وغنم سِحاح، أي: سمان " وجاء في تعليق المحقق في الهامش: وسُحاح بالضم نادر.

وجاء في التاج:" وفي الصحاح غنم سحَّاح هكذا بالتشديد بخط الجوهري كذا ضبطه ياقوت، وفي الهامش لابن القطاع سِحاح بالكسر "

فأنت ترى أن المطبوع خلا من كلام الجوهري وأدخل فيه كلام ابن القطاع وهو ممن عاش بعده بكثير.

7. (عري) في الصِّحاح المطبوع:" وعري من ثيابه يَعْرَى عُرياً "، وفي التاج:" وفي الصِّحاح عُِرِيّاً بضمٍّ فكسر مع تشديد، وبكسر العين أيضا هكذا ضبط في نسخ الصِّحاح " فبان أن الضبط في المطبوع مخالف كله لما عند الزَّبيدي

8. (فري) في الصِّحاح المطبوع:" وفريت الشيء أفريه: قطعته لأصلحه " وفي التَّاج زيادة:" وفي الصِّحاح فريت الشيء أفريه فرياً قطعته لأصلحه ".

9. (قري) في الصِّحاح: " والقري على فعيل مجرى الماء في الروض، والجمع: أقرية وقُريان " بضم القاف فقط، وذكر صاحب التاج أنَّ الذي في الصحاح: أقرية، وقُريان، وقِريان، بكسر القاف أيضاً.

10. (كرنف) في الصِّحاح:" الكُِرناف أصول الكرب الذي تبقى في جذع النَّخلة بعد قطع السَّعف " هكذا ضبط المحقق الكُِرناف بضمِّ الكاف وكسرها؛ لأنَّه تَابعَ القاموسَ في ضبطه، والصَّواب أنَّ الجوهريَّ لم يضبطه إلَّا بالكسر كما في التَّاج، قال بعد أن ذكر أنَّ صاحب القاموس ضبطه بالوجهين الكسر والضم:" وعلى الأولى اقتصر الجوهريُّ، والثانية لغة ابن عبّاد ".

10. (ندح) في الصِّحاح المطبوع:" انداح بطنه اندياحاً إذا انتفخ وتدلَّى " وفي التاج:" وإنَّما ذكر الجوهريُّ هنا اندحَّ وانداحَّ فضبط آخره مشدَّداً "

11. (هَنُكَ) في الصحاح بفتح الكاف فقط، وفي التاج أنَّ الذي في الصِّحاح فتح الكاف وكسرها.

ولقد تركت كما قلت لك الكثير منه ما يتعلق بأبيات الشِّعر (انظر: رنم، ضيف، نمس)، أو زيادات أعلام (نمس).

إذ ليس المقصود التَّقليل من عمل الشَّيخ العطَّار – رحمه الله – بكثرة تتبعه، ولكنَّه دعوةٌ إلى تحقيق الكتاب بصورة ارتضاها مؤلِّفُه، ودعوةٌ إلى البحث عن نسخة المرتضى الزَّبيدي فالأقرب أنَّها ما زالت موجودةً، فهو ليس بعيد الوفاة، وهو دعوةٌ إلى التحقُّق عمَّا في المطبوع بالرُّجوع إلى ما عُزي إليه في التَّاج.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015