ملتقي اهل اللغه (صفحة 2919)

- {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت: 12]

- {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6]

- {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك: 5]

- {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} الصافات6

وفعل انتثرت يدل على تساقط ما كان منتظما. قال الألوسي:

{وَإِذَا الكواكب انتثرت} أي تساقطت متفرقة وهو استعارة لإزالتها حيث شبهت بجواهر قطع سلكها وهي مصرحة أو مكنية ...

لعله يقصد بالمكنية الكواكب مرادا بها الجواهر، ويقصد بالمصرحة تشبيه التساقط بالانتثار ...

قال ابن عاشور "النثر هو رمي أشياء على الأرض بتفرق وأما التفرق في الهواء فإطلاق النثر عليه مجاز (!!!)

ولو جاريناهم على مذهبهم لقلنا هنا مجاز على المجاز:

استعارة مكنية بتشبيه السماء بعروس ... وهي استعارة مفهومة من الاستعارة الأخرى (مصرحة أو مكنية) حين شبهت الكواكب بجواهر منظومة .. أو لنقل تشبيه الكواكب بالجواهر يلزم عنه جيد، والجيد يلزم عنه حسناء، والحسناء هي السماء: مجاز عن مجاز، أو كناية عن مجاز .. اختر ما شئت والأفضل أن تعرض عن كل هذا، وحسبك أن تدرك أن مدار الصورة على الجمال والتجميل!!

7 - في العناصر الأربعة تناغم بديع:

فالسماء من فوق مناسبة للبحار من تحت ..

والكواكب من فوق مناسبة للقبور من تحت ..

وجه التناسب بين السماء والبحار هو الاشتراك في صفة الكم المتصل المتسع (فضلا عن الاشتراك في الزرقة)

والكواكب متناسبة مع القبور في صفة الكم المنفصل المتكثر ..

8 - التهويل ينشأ أيضا من التأجيل:

فالاستهلال ب" إذا "يجعل المتلقي يرتقب الجواب، لكن هذا الجواب المرتقب لا يأتي .. بل تأتي " إذا "أخرى فتشتد الرغبة في معرفة الجواب من جراء التهويل المضاعف .. لكن تأتي " إذا "ثالثة ثم " إذا "رابعة ..

9 - وأخيرا يصل التهويل إلى منتهاه عندما يعي المتلقي أنه الهدف المقصود ... وأن هنا حركة آتية من بعيد متجهة صوب الإنسان ولا تقصد غيره:

بدأ الأمر العظيم من السماء،ومع انتثار الكواكب وحركة السقوط يتجه الذهن عموديا إلى أسفل، إلى الأرض (والأرض موطن الإنسان)، وفي الأرض يكون الاتجاه أفقيا من البحر إلى البر (والبر موطن الإنسان) والبر فيه قبور (والقبورموطن الإنسان)

ثم هاهو الهدف أخيرا:

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ..

ولله هذه النكرة ما أبلغها ... فدلالتها على الانفراد والشياع تجعل كل متلق يدرك أن تلك النفس ما هي إلا هو!!

10 - نختم حديثنا بنقل كلام العاصمي الغرناطي من كتابه ملاك التأويل .. فقد أبدع- رحمه الله -في بيان اختلاف مطالع سورة التكوير عن مطالع سورة الانفطار، رغم الموضوع المتحد .. فقد لاحظ أن مطالع التكوير مبنية على "الجمع "وأن مطالع الانفطار مبنية على "التفريق".قال:

قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) (التكوير: 6)، وفي سورة: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) (الإنفطار: 3)، يسأل عن اختصاص الأولى بقوله: "سجرت" والثانية بقوله "فجرت"؟ والجواب عن ذلك - والله أعلم - أن قوله: "سجرت" معناه ملئت، من قولك سجرت التنور إذا ملائته بالحطب، وقرئ مخففاً ومثقلاً والمعنى واحد، والمراد اجتماع مياهها وأما قوله: "فجرت" فتح بعضها واختلط العذب بالمالح فصار بحراً واحداً بزوال البرزخ الحاجز بينهما، وكل من الإخبارين (يؤدي معنى غير المعنى الآخر، فإن الامتلاء غير الانفجار، ثم كل من الإخبارين) مناط بالآخر لما بينهما من الشبه، ولهذا جرى كلام أكثر المفسرين على تفسير كل واحد من اللفظين بما يحرز المجموع من معنييهما، وتفاصيل ذلك على ما ذكرته مما يقتضى التباين لا الترادف، والإخبار بكل واحد منهما مقصود معتمد لكمال المراد.

وإنما خصت سورة الإنفطار بلفظ الإنفجار ليناسب مطلع السورة وافتتاحها، ألا ترى في انفجار العذب إلى المالح والمالح إلى العذب وبعضها إلى بعض انفطار ناسب انشقاق السماء وانفطارها. فانفطار السماء، وانفجار البحار، وبعثرة القبور، وانتشار النجوم، كل ذلك متناسب أوضح تناسب وأبينه. وحشر الوحوش وتزويج النفوس، وتسجير البحار، هذا كله اجتماع وائتلاف يناسب بعضه بعضاً، كما أن انفطار السماء، وانتثار الكوكب، وتفجر البحار، وبعثرة القبور، يناسب بعض ذلك بعضاً، فالتحام هذه الجمل في السورتين أبين التحام وأوضحه ملاءمة وتناسباً. فورد كل من ذلك على ما يجب ويناسب، والله أعلم بما أراد.

ـ[غمام]ــــــــ[05 - 12 - 2010, 03:12 ص]ـ

جزاكم الله خيرا أيها الأستاذ الفاضل ..

هل لكم كتاب يجمع هذه اللطائف؟

الدكتورةُ الفاضلةُ والأديبةُ النَّاقدةُ: شجرةَ الطِّيبِ، جزاكِ الله خيرًا على التَّشريفِ.

ولازلتُ في انتظارِ قلمِك معَ علمي بانشغالِك. وياليتني أعرفُ إجابةَ سؤالِك لما تأخَّرتُ ساعةً في بيانِها.

وفقكِ الله وأسعدك.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015