ملتقي اهل اللغه (صفحة 2918)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[24 - 10 - 2010, 03:29 ص]ـ

78 - لمحة في قوله تعالى:

إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ {1} وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ {2} وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ {3} وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ {4} عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ {5}

المقصد البلاغي من المطلع ذو صبغة نفسية مداره على التهويل، ومن أجله جاءت سائر العناصر اللغوية روافد تجري نحو هذا المصب المخيف،روافد من الصوت والكلمة والتركيب:

1 - مشهد الانقلاب الكوني ملحوظ من خلال العناصر الأربعة:

السماء، الكواكب، البحار، القبور ...

المد الصوتي قاسم مشترك في جرس الكلمات، وله إيحاء بالامتداد والاتساع ومعبر عن شعور حاد، (المد مناسب لحالات النداء والاستغاثة والندبة والتوجع، ومن عبقرية اللغة أن وضعت لهذه المعاني حروفا وأدوات يتخللها المد: يارب، وامعتصماه، واولداه،آه،واها ...) ويستحسن للمرتل أن يمد الألفات والواو مدا ملحوظا ليرمز إلى هذه المعاني الوجدانية.

2 - صيغة الجمع مساهمة في إنشاء التهويل (الكواكب، البحار، القبور) و (السماء) وإن جاءت في صيغة المفرد فإنها في حكم الجمع باعتبارها اسم جنس، بل هي أدل على الاتساع والتعدد من صيغة "السماوات" نفسها ..

3 - للعناصر الأربع دلالات إيحائية تشعر الإنسان بالضعف والضياع:

يكفي أن يسمع المتلقي كلمة "سماء" لتخطر على باله معاني القوة والاتساع والعلو يستشعر معها الصغر والضعف:

{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} النازعات27

وحسبه أن يسمع كلمة "الكواكب" لتخطر بباله الومضات البعيدة الآتية من عالم سحيق مجهول يستشعر معها الخوف ..

وحسبه أن يسمع كلمة "بحر" ليخطر في باله معنى الخضم المتسع وما يتضمنه من معاني الغرق والموت ..

ثم القبور .... !!

ومن قوة البيان القرآني أنه حشد هذه المظاهر الكبرى:السماء والكواكب والبحار والقبور، في اتساعها وتعددها وقوتها، وجعل كل ذلك في كفة، وقابلها في الكفة الثانية ب"نفس"خاضعة، منفردة،نكرة:

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ {5}

مفارقة كبرى،لا يملك معها المتلقي إلا الشعور بالوجوم، وأنا به زعيم!!

4 - جاءت الأفعال مطاوعة (انفطرت، انتثرت) ومبنية لما لم يسم فاعله (فجرت، بعثرت) لتحقيق التهويل .. على اعتبار أن الإنسان مجبول على الخوف من اللامرئي ... فحدوث فعل مع خفاء فاعله يشعر المرء بالتوتر .. فتراه يفترض حضور قوى غيبية (جن أو شياطين) لتعليل ما حدث ..

ولك أن تتمثل تحرك كأس على الطاولة،فجأة، من تلقاء نفسه، أو اشتعال مصباح بدون سبب،أو انفتاح كتاب كان مغلقا لتدرك مقدار الرعب الذي سيملأ الإنسان ..

ولهذا الملحظ جاء وصف مظاهر القيامة في القرآن قائما على أفعال المطاوعة والمبنية لما لم يسم فاعله ليضع الإنسان في وسط تتحرك فيه الأشياء وتسير فيه الجوامد، عالم مرعب حقا!

ومن نماذجه المعبرة مطلع سورة التكوير:

كُوِّرَتْ-انْكَدَرَتْ - سُيِّرَتْ -عُطِّلَتْ - حُشِرَتْ -سُجِّرَتْ -زُوِّجَتْ -سُئِلَتْ -قُتِلَتْ - نُشِرَتْ -كُشِطَتْ - سُعِّرَتْ -أُزْلِفَتْ.

5 - من روافد التهويل الشمول والعموم، فتجليات الساعة ظاهرة في السماء وفي الأرض، والعناصر الأربعة موزعة على الفضائين العلوي والسفلي: السماء والكواكب من فوق والبحار والقبور من تحت ..

6 - السماء موصوفة من داخلها ومن خارجها: فهي منفطرة في بنيتها الداخلية، وعاطلة من الزينة في مظهرها الخارجي ..

وكم سيكون وقع المشهد شديدا لو قارنا بين السماء قبل وبعد:

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)

فكأن قوله "هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور"ٍ إرصاد لما سيحدث:" إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ"

كما أن قوله {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} إرصاد لما ستكون عليه عندما يشاء الله:

وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)

أما تعبير" الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ" فقد دل على جمال السماء الزائل:

لنتذكر أولا أن القرآن العظيم أكد في مواضع كثيرة زينة السماء بالنجوم والكواكب:

- {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16]

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015