ـ[شجرةالطيب]ــــــــ[19 - 10 - 2010, 10:02 ص]ـ
جزاكم الله خيرا أيها الأستاذ الفاضل ..
هل لكم كتاب يجمع هذه اللطائف؟
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[21 - 10 - 2010, 08:20 م]ـ
77 - لمحة في قوله تعالى:
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر53
ذكر الطيبي عن الأصمعي قال:
"كنت أقرأ: والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم، ويجنبي أعرابي فقال كلامُ مَنْ هذا؟ قلت كلامُ الله، قال: ليس هذا كلامُ الله فانتبهتُ فقرأت {والله عزيز حكيم} [المائدة: 38] فقال أصبتَ هذا كلام الله فقلت أتقرأ القرآن؟ قال لا قلتُ من أين علمت؟ قال يا هذا عَزَّ فَحَكَم فقطعَ ولو غَفر ورَحم لَمَا قَطَع ".
وروي:
" أنّ قارئًا قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه".
لقد صدق-والله- الحدس البلاغي عند هذا الأعرابي: "فلا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه .. !!! "
ونحن نعتقد أن المقام غير مختلف، وأن حمل الإسراف في آية الزمرعلى عموم اقتراف الذنوب مردود بحكم الأعرابي فنقول:
ذكر المغفرة الشاملة مع الإسراف في ارتكاب المعاصي تهوينا لها، وإغراء عليها ...
والمقام -من جهة أخرى- لا يقتضي ذلك التشريف العظيم في إضافة العباد إلى رب العباد: يَا عِبَادِيَ ... والعباد مذنبون،بل مسرفون في الذنب ... فتأمل!
ولهذا تجد المفسرين يذكرون التخصيص والتقييد في تفسير الآية: التخصيص في العباد المسرفين، أو التخصيص في المسرف فيه، أو التقييد بالتوبة ..
-قال ابن جرير:
اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها قوم من أهل الشرك، قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، فنزلت هذه الآية.
-قال ابن كثير:
هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه [الآية] على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه.
قال القرطبي:
وقيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في العبادة، وخافوا ألاّ يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية ..
ويفهم من قول ابن جرير" اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية .. "أن المفسرين يرجحون التخصيص، وإن اختلفوا في تعيين الطائفة المناسبة ...
ولا يقال هنا إن العبرة بعموم اللفظ بسبب المانع البلاغي السابق ...
ويستفاد من قول ابن كثير إخراج الشرك من مجموع الذنوب،أو اشتراط التوبة إذا أبقينا على عمومها سيرا على صراط أهل السنة في اشتراط التوبة من الشرك،وعدم اشتراطها في سائر الذنوب الأخرى، حيث تبقى معلقة بالمشيئة، خلافا للوعيدية ..
هذا، وعندي توجيه آخر لمعنى الآية،يحفظ لها التعميم مع مراعاة مقتضيات البلاغة التي ذكرها الأعرابي:
فليس المراد بالإسراف على النفس الإسراف عليها بالذنوب والمعاصي بل الإسراف عليها بالشعور بالذنوب والمعاصي، والفرق شاسع بين المعنيين كما ترى ..
والأمر قريب مما ذكره القرطبي إلا أننا نقول بعموم اللفظ ..
وماذكره المفسرون من الإسراف في الذنوب لازم للمعنى الذي نذهب إليه .. لكن مناط الحكم هو الثاني لا الأول، تفصيله:
أن العباد أسرفوا في اقتراف الذنوب، فأسرفوا في التحسر والندم وربما ظنوا أن الله لن يغفر لهم .. هؤلاء هم المخاطبون في الآية يخفف الله عنهم وطاة الشعور بالإثم ... أما حمل الآية على مجرد الإسراف في اقتراف الموبقات فغير حكيم لما فيه من إغراء وتهوين!
ولاحاجة -على المعنى المختار-إلى اشتراط التوبة أو إخراج الشرك من جملة الذنوب لأن الإسراف على النفس بالمعنى الذي قررناه دليل على الإيمان، وشاهد على حياة القلب،وفارق بين الكافر والمؤمن، كما في البخاري:
5833 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ ..
حاصل الأمر أننا حملنا النفس في الآية على النفس" اللوامة" لا النفس "الأمارة بالسوء"!!
والله أعلم.
¥