ملتقي اهل اللغه (صفحة 2916)

ثم خافت عليه أن يقتل فقالت: {إلاَّ أن يُسجنَ}، أي: يحبس، {أوْ عذابٌ أليمٌ} أي: يُعَاقبُ بالضَّربِ.

فاعجب لسرعة ذهن المرأة في التدبير والتقدير والاحتراس!!!

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[16 - 10 - 2010, 11:19 م]ـ

76 - لمحة في قوله تعالى:

تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {1} سورة الزمر

قد يكون من المفيد قلب العلاقات المنطقية بين النظم والمعنى البلاغي: فيتصور النظم تارة سببا لتحقق النكتة البلاغية،وتارة تتصور النكتة البلاغية سببا في إيجاد النظم ..

فالتحليل البلاغي على النهج الأول يتفحص النظم ليستنبط منه ما يكمن فيه من معان ودلالات مثلما تتبع العين هيكل الشجرة وتفرع أغصانها لتصل إلى الثمرة باعتبارها نتاجا ساهمت في إخراجه تضافر مكونات الشجرة ..

أما التحليل على النهج الثاني فينطلق من المعنى وينظر في الشروط التي كانت وراء إمكان وجوده وهذا التحليل بالقهقرى- إن صح التعبير-مفيد جدا لمعرفة خصائص النظم لأن هذه الخصائص معتبرة الآن مع فكرة القصدية .. مثلما تتأمل العين ثمرة الشجرة ويستنتج العقل بالتراجع أسباب وجودها أعني: تستخلص الشجرة من الثمرة بدل أن تستخلص الثمرة من الشجرة ..

وقد اخترنا الآية لبيان هذا النهج:

صفتا" العزيز الحكيم" في الآية قابلة بواسطة التوسع الدلالي لأن تكونا وصفين لله تعالى أو وصفين للكتاب المنزل ...

(وعندنا إذن شرعي في جواز وصف الكتاب بالعزة والحكمة:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41]

{يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 2])

وتحليلنا بالتراجع يفترض أن هذا التوسع هو مقصد أول .. ومنه ننطلق لنرى كيف تكوّن النظم ليحقق هذا المقصد من باب انتزاع الشجرة من الثمرة!

1 - الاتساع غير ممكن إلا إذا اتحدت كلمة "الله" وكلمة "الكتاب" في المحل الإعرابي .. ومن هنا ندرك سر النظم في الآية:الكتاب مجرور بالإضافة واسم الله مجرور بالحرف وكأن هذا يمهد للاتساع المنتظر ...

فلو قيل مثلا:

*أُنزل الكتاب من الله العزيز الحكيم ...

لفات مقصد الاتساع لأن الوصفين "العزيز الحكيم" إما أن يتبعا "الكتاب "فيكونا مرفوعين أو يتبعا اسم "الله" فيكونا مجرورين ... ومحال أن تصفا في هذه الحالة "الله "و"الكتاب" معا ... ولن يكون ذلك ممكنا إلا بتغيير الصفتين فيستدعي النظم مثلا صفة "الهادي" فيقال:

*أُنزل الكتاب من الله الهادي

فالحركة الإعرابية مقدرة على الياء وهذا يسمح بعودة الاتساع إلى الجملة .. فتكون "الهادي" صفة للكتاب المرفوع أو صفة لاسم الله المجرور لأن التقديرين ممكنان على الياء ..

هذه الظاهرة مما ينبغي الالتفات إليها في القرآن المبين .. فانظر مثلا إلى كلمة "هدى" في أول سورة البقرة:

الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2}

تجدها تحتمل الحالية والخبرية (حال للكتاب أو خبر عنه ..) ولم تكن هذه الازدواجية ممكنة لولا صيغة الكلمة التي انتهت بالألف المقصورة محلا تقدر فيه العلامات الثلاث .. فنقول:جاءت الكلمة على تلك الصيغة فنشأ عنها الاتساع الدلالي، أو نقول بالتراجع كان مقصد الاتساع في البداية فوقع اجتباء كلمة "هدى"ذريعة له ..

2 - لنعد إلى آية الزمر لنلحظ أن شرط الاتحاد في المحل الإعرابي غير كاف لتحقيق الاتساع:

إذ ينبغي معه تقدم الجار والمجرور على الصفتين .. فلو قيل:

*تنزيل الكتاب العزيز الحكيم من الله ..

لتمحضت الوصفية للكتاب فحسب ...

فإن قلت فما فائدة هذا الاتساع؟

نقول إن الآية نزلت لتحقيق مقصد تمجيد القرآن .. والاتساع هنا في منتهى البلاغة لأنه جعل الكتاب يتصف بالعزة والحكمة مرتين:

مرة يكون الاتصاف بالذات، ومرة يكون الاتصاف بالتبع ... فهو عزيز حكيم وصفان ذاتيان له،وهو كلام العزيز الحكيم فيلحقه الوصفان بالتبع ...

وفي الآية إجمالا تمجيد خماسي للكتاب:

الأول:"تنزيل" إشارة إلى أن الكتاب في علو ..

الثاني:"من الله"دلالة على أصله ومصدره

الثالث:"العزيز"

الرابع:"الحكيم"

الخامس:تفخيم شأن الكتاب بآلية الحذف البلاغية .. ولبيانه نتأمل مجددا نظم الآية العجيب:

تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

نفترض أن " مِنَ اللَّهِ" صفة للكتاب فيقع سرد لثلاث صفات،على تقدير:تنزيل الكتاب الإلهي العزيز الحكيم ..

فيكون أحد طرفي الإسناد محذوفا بهدف التفخيم "هذا تنزيل الكتاب" –مثلا-على نحو كلمة "بلاغ" في قوله تعالى:

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} الأحقاف35

وتقديم صفة "من الله " مما يقتضيه حال المنكرين لأن مصدر القرآن هو محل النزاع الأكبر مع الكفار قديما وحديثا ..

لكن على إعراب "من الله "خبرا لا يكون في التركيب حذف ..

وعندي أن الحذف أبلغ لإفادة التفخيم لاسيما وأن الآية الموالية:

إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ {2}

قد قررت أن الكتاب منزل من الله فعلى القول بالذكر ستكون الآية تأكيدا فقط .. وعلى القول بالحذف ستكون الآية تأسيسا والتأسيس أولى من التأكيد في عرف البلاغيين ..

لنلحظ أخيرا أن تمجيد القرآن في الآية جاء على نحو مذهل بسبب اتحاد الحكاية والحكي!!!

"تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

هذا كلام الله موضوعه تمجيد القرآن ... وهذا التمجيد نفسه آية من القرآن .. فيحصل أمر بديع عند تأمله: تمجيد القرآن بالقرآن!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015