ملتقي اهل اللغه (صفحة 2915)

- اعتبار "الواو" حالية يقتضي أن تكون الحال محكية، لأن الاستباق "وقد قدت" دال على وقوع القد قبل الاستباق .. ومن المستبعد أن تكون الحال مقارنة فيؤول المعنى إلى تقدير:"استبقا وهي تقد" وهو ركيك كما ترى .. فأولى أن تكون نسقية في هذا الموضع ...

ليصبح المعنى وقوع القد "اثناء" الاستباق لا وقوع الاستباق " حال" القد المقارن ...

إذا ثبتت الحال المحكية انتصب الإشكال التالي:

ما الذي حدث بالضبط؟ وما ملابسات قطع القميص الذي يفترض فيه أنه وقع قبل الاستباق إلى الباب؟؟

ننقل رواية الشيخ ابن عاشور للحدث، بناء على انتصاره للحالية بشدة،حتى أنه يرى أن القد كان قبل الاستباق "لا محالة (!) " وجاء تعليله على النهج التالي:

لو كان تمزيق القميص في حال الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف عليه السّلام أنها راودته، إذ لا يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف عليه السّلام سبقها مسرعاً إلى الباب، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة. وكان قطع القميص من دبر لأنه كان مولياً عنها معْرضاً فأمسكته منه لرده عن إعراضه."

ونحسب أن سرد الحدث على هذا النحو فيه ضعف. وحسبه ضعفا أنه يخدش في شهادة "الشاهد من أهلها"ويجعلها غير حاسمة:

أولا: قد القميص يحتمل أن يكون قبل الاستباق ويحتمل أن يكون أثناءه ..

ثانيا: يرى ابن عاشور أن قد القميص قبل الاستباق وحده يدين المرأة أما القد في الاستباق فلا يدل عنده إلا على" أن يوسف عليه السّلام سبقها مسرعاً إلى الباب" أما المراودة فمسكوت عنها.

ثالثا: لا يمكن للشاهد أن يثبت زمن حدوث القد قبل الاستباق أم بعده ..

رابعا: لا يمكن للشاهد أن يرجح احتمال ما فيه إدانة وتكذيب قريبته على ما يسكت عن كل ذلك لا سيما وأنه في شهادته قام بحق القرابة –بلاغيا-فقدم احتمال صدقها على احتمال كذبها .. كما يمكن للمرأة أن تدافع عن نفسها وتدعي أن القميص قد أثناء الاستباق وليس في هذا -عند ابن عاشور- إلا الدلالة على أن يوسف سبقها .. فتختزل الحكاية في قولها وقول يوسف- عليه السلام- ولا سبيل إلى دليل مادي قاطع يفصل بين الخصمين ..

وهنا أمر آخر مستغرب في استدلال ابن عاشور .. إذ نشعر أنه أوقف الاستدلال، فجأة، في منتصف الطريق:

لماذا سبق يوسف إلى الباب؟

إن الأبواب كانت المرأة قد غلقتها، فاستباق يوسف يتصور فقط على نحوين:

-يريد الفرار منها

-يريد منعها من فتح الباب ..

والوضع الطبيعي في الاحتمال الثاني أن يلي ظهره الباب ويواجه المرأة ليرصد حركاتها ويصدها عن الباب (الأمر شبيه بوضع حارس المرمى في لعبة كرة القدم فإذا كان المهاجم أسبق إلى المرمى فإن الحارس يمسك قميص المهاجم من الخلف ليمنعه من الوصول وقد يتمزق القميص .. ولكن في حالة كون الحارس أقرب إلى المرمى فإن الوضع العادي أن يدير الحارس ظهره للمرمى ويراقب حركات المهاجم فإذا تقطع قميص (أي قميص) بسبب مشادة فلا محالة يكون القطع من قبل .. فتأمل)

هذا المثال يعطينا فكرة عن متانة استدلال الشاهد فلا يٌقد قميصه من دبر إلا وهو فار .. ولا يفر إلا من مراودة المرأة .. !!

10 - قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

نشهد هنا جمالية الانتقال من السرعة الفزياوية إلى السرعة النفسية .. !

فالتسارع البدني في الفضاء توقف فجأة عند عتبة الباب مع الظهور المباغت لسيدها ... ليفسح المجال للتسارع الذهني .. ولا يملك المرء إلا الإعجاب بسرعة بديهة المرأة:فلا تلعثم،ولا جمجمة، ولا انهيار أمام ضربة المباغتة ..

لقد تصرفت في الموقف بسرعة مدهشة:

لقد حولت الأنظار بسرعة من مقام "التحري" إلى مقام "إصدار الحكم"،فكأن قول المرأة يرسم جوا للمحاكمة في طور المداولة يكون فيه الحكام منشغلين باقتراح العقوبة الملائمة:السجن أم العذاب ..

والمرأة إذ تضعهم في هذا الطور تريد أن تصرف وعيهم عن طور البحث في الادعاءات والتمييز بين الحق منها وباطلها ...

فكأن إدانة يوسف عليه السلام لا تقبل المداولة وإنما يحتمل المداولة نوع العقوبة فقط!!

والمرأة محترسة حتى النهاية: فمن المتوقع أن تفرز الملابسات تشددا في الحكم الصادر، قال ابن عادل:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015