ملتقي اهل اللغه (صفحة 2914)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[11 - 10 - 2010, 12:41 ص]ـ

75 - لمحة في قوله تعالى:

وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)

ترسم الآية السرعة في الحركة تتحقق في حيزين: تبدأ في المكان وتنتهي في الأذهان ...

1 -

استبقا:

الاستباق افتعال من السبق، والافتعال يوحي بالتكلف والتحمل بناء على قاعدة زيادة المعنى لزيادة المبنى ... فهاهنا سبق وزيادة. فكأن الفاعلين يتسابقان بكل ما أوتيا من طاقة ... وليس ذا التكلف إلا التعبير الجسدي عن الكامن النفسي:

فالمرأة واقعة تحت صارخ الشهوة. يدفعها بأقصى ما تستطيع.

والرجل واقع تحت إمرة التقوى يدفعه كذلك بأقصى ما يطيق.

2 -

استبقا الباب.

حذف حرف الجر (إلى) - بقطع النظر عن التوجيه الشكلي للصناعةالنحوية –يكشف عن محتوى نفسي يمكن رصده بمقارنة التعبيرين:

أ-استبقا إلى الباب.

ب-استبقا الباب.

(إلى) في الجملة (أ) حملت معلومة عن المسافة والاتجاه. ويكون معها (الباب) نهاية المسافة التي يراد قطعها.

لكن بحذف هذه المعلومة يصبح الباب هو البؤرة، فيكون إيقاع الفعل عليه هو نفسه لا إيقاعه في مسافة تفضي إليه. فليتأمل.

بعبارة أخرى نقول:

بأي شيء كان وعي الفاعلين مشغولا؟

بالباب أم بالمسافة الفاصلة؟

لا ريب أن الباب هو المقصود، والاهتمام- أثناء السباق- منصرف إلى الفتح أو الاغلاق وليس إلى وقع الخطوات وامتداد المسافة .... فلتحذف (إلى) إذن، ليبرز التعبير ما يوافق المقام: حركة الجسم وهي نحو السباق وحركة الذهن وهي نحو الباب.

3 -

استبقا الباب.

ألف الإثنين مثبتة لفظا لا نطقا،بسبب التقاء الساكنين، فيقرأ الفعل كأنه مسند إلى مفرد.

هذا الحذف له إيحاء دلالي يكشف عن سرعة الحدث وينشيء اتحادا المبني بالمعنى:

فلا وقت للمد في المبنى

كما لا وقت للإبطاء في المعنى!

4 -

استبقا الباب.

فعل مشترك بين الفاعلين، ولكن شتان بين القصدين: يصف المشهد-خارجيا- جسمين مندفعين في الفضاء في اتجاه واحد. لكن-داخليا-نلمس حركتين متعاكستين: الرغبة في الاستبقاء مقابل الرغبة في التملص. النزوع نحو الخروج والنزوع إلى المنع من الخروج.

5 -

سيدها لدى الباب.

تكررت كلمة (الباب) مرتين مع أن الآية مبنية على الإيجاز ..... وما ذاك إلا لأهمية" الباب "في المشهد وتعدد وظائفه بحسب الشخصيات .....

فالباب في سياق الاستباق ملحوظ باعتباره مخرجا. أعني حلا للمشكلة

أما الباب في سياق ذكر السيد فملحوظ باعتباره مدخلا. أعني زيادة تأزيم ..

فكان العبارة نبهت على أن الباب كما يستعمل للخروج يستعمل أيضا للدخول.لكن يبدو أن هذا المعنى الثاني كان غائبا عن الوعي حتى وقعت المفاجأة.

6 -

وألفيا سيدها لدى الباب.

يتحرك المشهد بسرد إعجازي:

-الحركة السريعة في الاستباق.

-العنف المصاحب للحركة (قد القميص)

-ثم الوجوم وانقطاع الحركة وتوقف فجائي للعملية مع ظهور السيد لدى الباب.

7 -

سيدها ....

قال المفسرون:لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه السلام لم يكن مملوكا على الحقيقة للعزيز وقال "سيدها" بالنظر إلى عرف القوم في اعتبار الزوج سيدا للزوجة.

-التكلف في التعليل واضح،كيف لم يكن مملوكا على الحقيقة للعزيز وقد اشتراه! -

وكيف كان فإن التعبير بسيدهما لا يتسق مع المقام ..... لأن قوة المشهد ليس في اعتبار العزيز مالكا،ولكن في اعتباره زوجا وبعلا لإظهار خيانة المرأة وتأزيم الوضع برسم معالم الفضيحة .... فلم يناسب إلا "سيدها" فتأمل.

8 -

وقدت قميصه من دبر.

وصف لحركة خارجية واحدة .... لكن كم تختزل من معان وأحداث.

-الرجل أقوى وأسرع من المرأة.

-المرأة تريد أن تستيقي الرجل فتتمسك بكل ما تستطيع.

-المشهد يكاد يرى بالبصر: المرأة تمسك بأعلى القميص، يقع تعاكس لقوتين، القوة المندفعة والقوة الجاذبة فينتج عنه شق القميص ويمتد الشق من أعلى إلى أسفل.

-القميص المقدود سيكون مصدر استدلال فيما بعد.

9 -

قال ابن عادل في اللباب:

قوله تعالى: {وَقَدَّتْ} يحتمل أن تكون الجملة نسقاً على «اسْتبقَا» أي: استبق، وقدت، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال، أي: وقد قدَّت.

نرجح النسق على الحال ونحسبه أبلغ منها، بل أصح، لوجوه:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015