ملتقي اهل اللغه (صفحة 2913)

وأما ثانياً: فلأنه ينافي التحسر والتحزن المستفاد من قولها: {رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى} فإن تحزنها ذلك إنما هو لترجيحها الذكر على الأنثى، والمفهوم من هذا الجواب ترجيحها الأنثى على الذكر اللهم إلا أن يحمل قولها ذلك على تسلية نفسها بعد ما تحزنت على هبة الأنثى بدل الذكر الذي كانت طلبته إلا أنه تبقى مخالفة الظاهر على ما هي ... "

وعلى التقدير الثاني يكون الله قدعلم أن لهذه الأنثى شأنا عظيما وسيخلد ذكرها الطيب في العالمين وهذا قطعا أفضل من غلام يخدم في المعبد .. فحق القول أن الذكر ليس كهذه الانثى.

-أما المسلك الثاني فينقل البحث من علم البيان إلى علم المعاني ... جاعلا مدار النظر نكتة التقديم والتأخير لا ترتيب طرفي التشبيه ...

يقول ابن عاشور مثلا:

" قدّم الذكر هنا لأنه هو المرجو المأمول، فهو أسبق إلى لفظ المتكلم"

فكأن العلامة يطبق هنا نظرية عبد القاهر في النظم من كون ترتيب اللفظ تابعا لترتيب المعنى في النفس .. فلما كان الذكر يحتل موقع الصدارة في وعيها ورغبتها فقد جعلته أيضا في صدارة كلامها ...

لكن التحقيق عندي أنه لا تشبيه في الآية أصلا ... ولكي نثبت ذلك نؤسس أولا تفرقة بين التشبيه كمعنى عقلي- مندرج في الحقل الدلالي ضمن معاني المقايسة والموازنة والمقارنة وغيرها- وبين التشبيه كصورة بيانية ..

فلو قلت:

"المغرب كالجزائر من حيث عدد السكان"

فإن التحليل الشكلي التقليدي يثبت في العبارة تشبيها،كيف لا وقد ذكرت فيه أركانه:

فالمغرب والجزائرطرفاه، وعدد السكان وجهه،والكاف أداته،

فهو تشبيه مرسل مفصل على تصنيفهم!!

لكن الذوق السليم يأبى أن يكون هذا التشبيه من صور البلاغة .. فلا تعدو العبارة أن تكون مقارنة عقلية –عاطلة عن الجمال قطعا-بين وحدتين خلصت إلى تساويهما ..

فلا فرق بين:

"المغرب كالجزائر من حيث عدد السكان"

وبين:

"المغرب أكثر سكانا من الجزائر"

أو:

"المغرب أقل سكانا من الجزائر ... "

وليست فائدة "الكاف" هنا إلا مثل فائدة "أكثر" أو" أقل" .. لأن نتيجة المقارنة بين عنصرين (أ) و (ب) لا تخلو من أن تكون إحدى المنطوقات الثلاثة:

1 - (أ) يساوي (ب)

2 - (أ) أقل من (ب)

3 - (أ) أكثر من (ب)

ولا نرى مسوغا في أن يعتبر المنطوق الأول "أجمل" أو" أبلغ "لأنه اشتمل على الكاف الدالة على المساواة!!!

ولم لا تكون المعادلات الرياضية صورا بيانية، لأنها تتضمن كلها معنى الكاف!!

ألم يان لنا أن نقترح على النحاة والبيانيين أن يحدثوا تفصيلا جديدا في معنى "الكاف" وأخواتها .. فيميزوا "كاف المقارنة" عن "كاف التشبيه"!!

فيمثلوا للأولى بعبارات:

"الذكر كالأنثى"

"استقبلني زيد كما استقبلني أخوه خالد"

"النحاس كالمنغنيز"

"لعل المسافة بين البصرة والكوفة مثل المسافة بين الطائف ومكة .. "

"ثمن البطيخ أمس كثمنه اليوم" ..

ويمثلوا للثانية بمثل قوله:

فإنك كالليل الذي هو مدركي ..... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع.!!

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[27 - 09 - 2010, 11:03 ص]ـ

74 - لمحة في أول سورة نزلت:

باسم الله الرحمن الرحيم

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5} كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى {6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى {7} إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى {8} أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى {9} عَبْداً إِذَا صَلَّى {10} أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى {11} أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى {12} أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى {13} أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى {14} كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ {15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ {16} فَلْيَدْعُ نَادِيَه {17} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ {18} كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ {19}

استوقفني في هذه السورة الكريمة اشتمالها على أنساق ثلاثية ملحوظة على أكثر من صعيد ...

النسق الثلاثي في الخطاب:

1 - توجيه الخطاب ثلاث مرات:

-اقرأ ..... اقرأ.

-أرأيت ..... أرأيت ....... أرايت.

-لا تطعه.

2 - الزجر ثلاث مرات:

-كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى.

- كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ.

- كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.

3 - النماذج الثلاثة:

- أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى.

- أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى.

- أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى.

4 - التهديد ثلاث مرات:

- إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى.

- لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ.

- سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ.

5 - العبادات الثلاث المطلوبة من النبي صلى الله عليه وسلم:

- لَا تُطِعْهُ

- وَاسْجُدْ

- وَاقْتَرِبْ.

6 - التركيب المرآتي: الاستئناف بتكرار العنصر السابق.

- الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ.

- عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ.

- لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ {15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ.

7 - إلى جانب ما سبق يلحظ النسق الثلاثي من جهة تكرارالعناصر اللغوية المفردة منها:

1 - ربك:

-رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.

-وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ.

- إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى.

2 - الإنسان:

-خَلَقَ الْإِنسَانَ

-عَلَّمَ الْإِنسَانَ

- إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى.

3 - الذي:

- الَّذِي خَلَقَ.

- الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.

- الَّذِي يَنْهَى.

4 - لم ........

-مَا لَمْ يَعْلَمْ.

-أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى.

- لَّمْ يَنتَهِ.

5 - اللام+المضارع:

- لَيَطْغَى

- لَنَسْفَعاً

- فَلْيَدْعُ نَادِيَه.

6 - ان الشديدة:

- إِنَّ الْإِنسَانَ.

- إِنَّ إِلَى رَبِّكَ.

- بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى.

7 - ان الخفيفة المباشرة للفعل:

- أَن رَّآهُ.

- إِن كَانَ.

- إِن كَذَّبَ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015