ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[05 - 07 - 2010, 07:00 م]ـ
70 - لمحة في قوله تعالى:
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ {17} -سورة الرعد
هو أسلوب بديع في ضرب الأمثال .. وقد جاء التذييل في الآية نفسها تنبيها على ذلك:
" كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ"
ويكمن وجه الإبداع في ترتيب غير متوقع لعناصر الخطاب:
ذلك لأن الترتيب المعهود في خطاب المثل أن يأتي "التنصيص " مقدما على "النص" ... أعني يأتي أولا ذكر أنه سيضرب مثل، ثم يعقبه ذكر المثل ..
ففي سورة الحج-مثلا- جاء التنصيص على المثل أولا:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ..
ثم جاء نص المثل بعد ذلك:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ {73}
هذا الترتيب طبعي عند بادي الرأي ... لأن التنصيص المتقدم يهدي القاريء إلى نوع الخطاب الذي سيتلقاه، ومن ثم يأخذ أهبته لتوجيه القراءة وجهتها الملائمة ...
غير أن المثل المضروب في سورة "الرعد" قد تقدم فيه نص المثل وأجل التنصيص عليه .. فلا يعي القاري أن الخطاب مثل مضروب حتى يفرغ من قراءته -عندما ينبؤه التذييل أن ما قرأ كان مثلا!! -:
" كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ"
فيكون المتلقي مضطرا إلى الرجوع القهقرى، فقد تحتم أن يعيد التأويل جذعا!!
وهنا تثير بلاغة التلقي سؤالا لا مناص منه:
ماذا كان يقرأ المتلقي قبل أن يهتدي إلى أن المقروء مثل!!!
بوسعنا أن نرصد في ذهن المتلقي ثلاث لحظات تأويلية - على أقل تقدير-:
1 - لحظة الاستصحاب الدلالي:
-أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ...
عندما يتلو المتلقي هذا الجزء من الآية يكون خاضعا لسلطان السياق المتقدم، فيؤول المقروء على نحو يتحقق فيه التشاكل الدلالي بين ما بين يديه وما خلفه:
قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ {16}
ينهض السياق على أركان الحجاج في الألوهية والربوبية ... ومدار الحجاج بصفة عامة مبني على العلاقة بين الربوبية والألوهية .. حيث تعلم قاعدة جليلة -فيها النجاة أو الهلاك-ذات بندين:
- التفرقة بين الربوبية والألوهية على صعيد المفهوم ..
- التوحيد بين الربوبية والألوهية على صعيد المصداق ..
إن المخاطبين بالحجاج في هذه الآيات لا ينكرون البند الأول-وقد نشأ الخلل فيما بعد عند طوائف من المسلمين، حكماء ومتكلمين وأرباب سلوك، وحدوا بين مفهومي الربوبية والألوهية فاعتقدوا إن إثبات الربوبية هو عينه إثبات الألوهية فسقطوا في محض الشرك دون وعي منهم-
والحجاج هنا يحوم حول البند الثاني فقط .. فيسفه المشركين إذ يؤلهون من لا يملك أي صفة من صفات الربوبية ويلحقونهم شركاء برب العالمين خالق ومالك كل شييء،باعتراف هؤلاء المشركين أنفسهم ... فتكون الآية مقروءة بحسب هذا السياق:
-أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ...
فالرب خالق الحياة وأسبابها، ومن أجلى المظاهر نزول المطر المتجدد أمام أنظار المشركين، وما يعقب ذلك من بعث الحياة الكامنة في الأرض أمام أنظارهم أيضا ... فكيف يؤلهون غيره وليس لهم من الخلق أي شيء!!!
2 - لحظة التردد:
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ..
قراءة هذا الجزء من الآية يثير شيئا غير قليل من الريب في التأويل ... فهنا فجوة دلالية واضحة:
فأية علاقة بين إنزال المطر من قبل الله تعالى وعمل الصاغة والحدادين ..
لا شك أن القصد إلى تشبيه زبد بزبد مستبعد جدا،لا يليق ببلاغة القرآن أبدا، فلا يظنن أحد أن الآية تصف ما ينشأ من زبد في سيول الأمطار لتقرر بعدها أن هذا الزبد مثل الزبد المتكون في جفنات الصاغة عند صهر الذهب!!!
3 - لحظة تجديد القراءة:
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ..
هذا الجزء الأخير من الآية يرغم المتلقي على إعادة القراءة لتزول الفجوة السابقة وتتسق دلاليا ..
فالصورة لم تعد حسية بل هي معنوية ... ومدار الأمر ليس على رصد ظاهرة طبيعية -من سقوط الماء- أو ظاهرة صناعية -من جعل الحلي- بل مداره على وصف الصراع بين الحق والباطل .. فأخرج القرآن المعنوى في صور الحسي ... فيكون تشابه الزبد المائي والزبد الصناعي من حيث تمثيلهما للباطل .. ذلك الباطل الذي يملأ الفضاء ويعرض نفسه على الأنظار وهو انتفاش فارغ لا يصمد أمام أدنى اختبار ..
ويكون تماثل الماء والذهب الخالص من حيث إشارتهما إلى الحق والحقيقة ... ذلك الحق الذي يرسب إلى قعر الجفنة تحت رغوة الباطل أو يسلك في الأرض تحت ستار الزبد ...
فتكون القراءة الجديدة كاشفة عن مضمون جديد:
الصراع بين الحق والباطل، وجدل المستعلن والمستخفي!!
¥