ملتقي اهل اللغه (صفحة 2910)

1 - طباق عام بين الطبيعي (الأرض، والجبال،والليل، والنهار) والإنساني، منسوج بطباقات جزئية داخل المجال المتجانس الواحد:

-فقد وصفت الأرض بالمهاد لتطابق الجبال من حيث الشكل الهندسي:

فالمهاد فضاء مقعر، في مقابل الجبال، فضاء محدب ..

-هذا الطباق في المكان يقابله طباق آخر في الزمان بذكر طرفيه "الليل" و"النهار" ..

-العنصر الإنساني المقابل العام للعنصر الطبيعي هو نفسه مشكل من مكونات متطابقة:

-تطابق النوع: الذكورة والأنوثة (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً {8})

-تطابق الحال: السبات والمعاش

2 -

وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً {12} وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً {13} وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً {14} لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً {15} وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً {16}

هذا تطابق بديع على صعيد الحركة:

فحركة صاعدة:

وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً {12} وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً {13}

ثم حركة نازلة:

وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً {14}

ثم حركة صاعدة مرة ثانية:

لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً {15} وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً {16}

هذه العناصر المتقابلة كلها تتآلف في مضمون متجانس واحد نسميه: "بناء العالم" ليعقبه المضمون المقابل:"خراب العالم":

وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً {19} وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً {20}

3 -

وتختم السورة بالتقابل الهائل بين المصيرين:

مصير الطاغين:

لِلْطَّاغِينَ مَآباً {22} لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً {23} لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً {24} إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً {25} جَزَاء وِفَاقاً {26} إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً {27} وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً {28} وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً {29} فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً {30}

ومصير المتقين:

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً {31} حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً {32} وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً {33} وَكَأْساً دِهَاقاً {34} لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً {35} جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً {36}

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[28 - 05 - 2010, 05:47 م]ـ

70 - لمحة ثانية في سورة النبأ

مطلع السورة ذو صبغة حجاجية، وقد وظفت لهذا المقصد ثلاثة أساليب:

1 - الإستفهام التقريري (وليس أبلغ منه في مضمار الحجاج) فهو ينبيء أن الخصم جازم في قرارة نفسه بمضمون القضية المتنازع فيها، فما عليه إلا أن يظهرها على لسانه لفظا، إذ ليس له إلى الإنكار سبيل.

أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً {6} وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً {7} وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً {8}

2 - التكرار من أجل إرهاق الخصم بالحجج المستقلة:

وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً {9}

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً {10}

وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً {11}

وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً {12}

وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً {13}

3 - الالتفات من الغيبة (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُون) إلى الحضور (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً) لأن خطاب المحاججة يقتضي المشافهة والمواجهة (كما في المناظرة مثلا).

هذا، ومدارالحجاج على إثبات الغائية في الوجود والكائنات:

والغائية- شرعا- هي الحكمة،و-عقلا-الاعتقاد أن الوظيفة متقدمة على الشيء وأن هذا الشيء ما وجد على هيئته إلا للقيام بتلك الوظيفة.ونقيض الغائية الصدفة، أوالعبث، أو الآلية التي تزعم أن الشيء يوجد أولا ثم تناط به وظيفة ملائمة لهيئته ..

وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً {8}

جمعت الآية العلة الفاعلية (وَخَلَقْنَاكُمْ) مع العلة الغائية (أَزْوَاجاً):

ويستحيل على مذهب التعليل بالصدفة أن يفسر الزوجية في الإنسان .. فهاهنا ثلاث وقائع:

-خلق الذكر: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)

-خلق الأنثى: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)

-جعل التناسل من اجتماع الذكر والأنثى: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء)

الواقعة الأولى قد تعلل بالصدفة وخبط عشواء .. ولكن لا يعقل أن يحدث خبط عشواء مرة ثانيا فينشأ عنه كائن مكمل للأول .. ولا يعقل أن يحدث خبط عشواء ثالثا فينشأ قانون التناسل الذي يقضي أن يستمر النوع ابتداء من الفردين الذي ظهرا في الوجود صدفة!!!

الأمر أعقد بكثير من إلقاء قبضة من حديد،ارتطمت عشوائيا بصخرة، ثم انفلقت إلى قطعتين: اتخذت القطعة اليمنى شكل مفتاح،واتخذت اليسرى شكل قفل، وقررت الصدفة السعيدة أن تتلاءم القطعتان وتتكاملا ليحصل الفتح والإغلاق -بينهما خاصة! -وكل هذه الأحداث من نتاج خبط عشواء!!!

المذهب الآلي فاشل في تفسير الوجود ... لأن وجود عنصرين في الوجود بينهما علاقة ملاءمة أو تكامل لا يفسر إلا بالحكمة .. وهذا ما بينته الآيات:

الأرض مهاد للإنسان،

والناس أزواج للتناسل،

والشمس سراج لطرد الظلام،

وطرد الظلام ليبصر الإنسان،

وخلقت العين ملائمة لاستقبال النورالمنبعث من الشمس البعيدة عنه بآلاف الفراسخ ...

ثم تأمل هذه الأشياء المتباعدة: السماء، والشمس،والمطر،والتراب .. كيف تتآلف وتتعاون لتشترك في إنتاج الحب والنبات مسخرين للإنسان الذي مهدت له الأرض وطوع له الليل والنهار!!!

الركون إلى الصدفة في كل هذا مكابرة تثير الغثيان!!!

والآن نصل إلى لب المسألة:

إذا كان كل شيء محكوم بالغائية فما غاية الإنسان؟

لماذا بني العالم ثم هدم ... لا يمكن أن يكون هذا لعبا فقد تقرر أن الوجود محكوم بالحكمة ... فلا بد من يوم ثالث:

يوم بناء، ويوم هدم، ويوم فصل ...

وعدم اعتبار الثالث يسقط الكون كله في العبث!!

لكن العبث منتف بما هو مشهود وموجود ...

سورة النبأ تهدم في حجاجها خرافة الصدفة!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015