ملتقي اهل اللغه (صفحة 2907)

وليس من الضروري أن يحضر اسم جبريل نصا إذ يكفي أن يحضر في ذهن القاريء .. فيفسر له القرآن ما يعني هذا الاسم الذي يخطر بباله وإن لم يتلفظ به!!

-إسحاق:

إسحاق في القرآن هي تعريب "يصحاق" في التوراة وهي صيغة المضارعة في المفرد الغائب من الجذر العبري" صحق" وقرينه في العربية الجذر العربي "ضحك"، "يصحاق "العبري إذن يعني" يضحك" لا يراد منه الفعل وإنما يراد منه الفاعل، ومن ثم فإن معنى "اسحاق" وهو" يصحاق" عبريا "الضاحك" أو "الضحوك" وقد سمى العرب بمعناه على المبالغة فقالوا "الضحاك":

وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ {71}

وفي هذه الآية نفسها تفسير معنى يعقوب ... فهو العاقب في العربية ومعناها "الذي سيأتي بعد" وتركيب "من وراء" في الآية تنبيه على هذا المعنى ..

نكتفي بهذه الأمثلة ولمن شاء أن يستزيد فعليه بالكتاب لاستقصاء الأعلام الأعجمية كلها،وإن كان عنده هوى في الفيلولوجيا المقارنة فسيجد في قراءة الكتاب فوائد جمة ...

أما نحن فسنحاول أن نضع هذه الظاهرة المعجزة في إطار من التكييف البلاغي فنقول:

2 -

قد يخطر في البال أن هذه التنبيهات الدلالية على معاني أسماء الأعلام الأعجمية هي من قبيل دلالة الإشارة عند الأصوليين،على اعتبار أن السياق يتعلق بأمر صاحب الاسم لا بمعنى اسمه ... ففي هذه الآيات مثلا:

-أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ.

-وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ

-فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ..

جاء سياق هذه الآيات لبيان فصول من قصة يوسف مع إخوته،لا لبيان معنى اسم يوسف في اللسان العبراني ... ودلالته –حسب الباحث-هو "المضيف" ومن ثم جاء ذكر خير المنزلين (ومعناه خير المضيفين) فضلا عن تكرار فعل "آوى" الذي هو الضيافة أو من لوازمها ... لكن هذه الدلالات لا يُنتبه إليها لانشغال ذهن المتلقي بالمقصد الأول الذي يؤسسه السياق ... وهذا يعلل عدم انتباه المفسرين إلى هذه الدلالات قديما وحديثا حتى كشف عنها الباحث.

لكن هل انزواء هذه الدلالات إلى هامش المقصد الظاهر يجعل منها نوعا من الدلالة بالإشارة؟

الجواب لا .. لأن كل أنماط الدلالات التي اعتبرها الأصوليون تنتمي إلى مستوى واحد من الخطاب .. والاختلاف بين الدلالات هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع: فهناك دلالة ظاهرة،ودلالة مجازية، ودلالة نص،أوعبارة، أو إشارة، وغيرها ... لكنها موجودة كلها في فضاء خطاب واحد ... وإنما تتفاوت في درجة الوضوح، أوالحضور في الوعي ...

لكن الأمر ليس كذلك في مسألتنا:فأمامنا خطابان مستقلان والانتقال من معنى في الأول إلى المعنى ذاته في الثاني هو انتقال نوعي .. فالضيافة معنى واحد لكنه يتموضع على خطابين مختلفين: خطاب-موضوع، وميتا-خطاب ..

فلنبين أولا ما نقصده بالخطابين،وليكن منطلقنا آيتان في سورة طه:

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)

الانتقال من الآية الثامنة إلى الآية التاسعة انتقال من خطاب إلى آخر: فالخطاب الأول مداره على بيان أحوال بني إسرائيل،ومدار الخطاب الثاني على بيان ما يحمله القرآن من هداية وبشارة ... ولما كانت الآية التاسعة هي نفسها قرآن فقد اتحد الدال والمدلول،وانعكست العلاقة فالمتكلم هو القرآن وموضوعه نفسه ... وهذا ما يسمى الميتا-لغة أي أن تتخذ اللغة من ذاتها موضوعها ... أما الآية الثامنة فالعلاقة فيها متعدية غير منعكسة، فالمتكلم هو القرآن لكن موضوع الكلام هم بنو إسرائيل، فامتازت اللغة عن موضوعها، وهذا ما يسمى باللغة- الموضوع.

[إن علماء اللغة المعاصرين (ياكبسون وغيره) يحصرون وظائف اللغة في ستة،يذكرون منها الوظيفة الميتالغوية (أو اللغة الشارحة، تتخذ فيها اللغة من نفسها موضوعها) والوظيفة المرجعية (تتخذ فيها اللغة من العالم موضوعها)]

إذا تقرر هذا الفصل بين الخطابين أمكن لنا أن نلحظ أن "خَيْرُ الْمُنزِلِينَ" و "آوَى إِلَيْهِ" هي نقط لغوية يتقاطع عندها الخطابان، أو يتنازعها الخطاب الموضوع والخطاب الشارح: فهي تحكي شيئا من أمر يوسف عليه السلام على صعيد اللغة الموضوع، وتشرح معنى اسم يوسف على صعيد الميتالغة ..

في هذا إعجاز علمي وإعجاز بلاغي معا: أما الأول فظاهر، أما الثاني فلأن القرآن لم يجاور بين الخطابين فينتقل من الأول إلى الثاني كما في مواضع من الإنجيل المحرف:

"هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا .. "

(أو كما كان يفعل الشيخ درويش في زقاق المدق لنجيب محفوظ عندما يذكر أمرا بالعربية ثم يذكر ما يقابله بالأنجليزية.)

لكن القرآن أبدع أسلوبا جديدا: فقد طوى الخطاب الثاني طيا، ومحاه محوا، غير أنه موجود ومعدوم في آن واحد ... وذلكم سر الإعجاز .. !!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015