ملتقي اهل اللغه (صفحة 2906)

من المحزن ألا يذيع هذا الكتاب بين الناس،فهو حقا من الكتب النادرة التي جمعت بين الإمتاع والإقناع،وهو استثناء جلي من غثاء الكتب العصرية التي يبحث أصحابها في الإعجاز ... كتب كثيرة لا يبقى في نفسك منها شيء إلا أن يكون تمييع لمفهوم الإعجاز وتهافت عليه .. ولعل هذا الركام الغث كان وراء خمول أمر كتاب الباحث البارع أبي سعدة ... فقد يحسبه القراء- أعني الجادين مهم- عنوانا آخر مما تلفظه المطابع في موضوع إعجاز القرآن .. فيعرض عنه،زاهدا فيه، ضنينا بوقته الذي أهدره من قبل في مئات صفحات، غابات من أرقام، طلاسم من رسومات يدعي أصحابها أنها تجلي إعجازالقرآن!!

كتاب الاستاذ (رؤوف أبو سعدة) ليس مؤلفا من تلك الأوراق ولا مسطورا من ذلك المداد .. فهو بحث رصين أبرز وجها إعجازيا هو من الوضوح بحيث لا يكون فيه مراء ... لكن الناس لا يميزون بين الماء والزبد! وإلا كيف تستعلن مؤتمرات، وتمنح جوائز لمهنيين وحرفيين يحدثونك عن إعجاز موهوم وفي ذات الوقت ينزوي كتاب الاستاذ (رؤوف أبو سعدة) .. وهو من أعظم ما كتب في الإعجاز!!

ألا إنه ناموس الماء والزبد!!

ثانيا:

صدر الكتاب في جزئين، وهو تفصيل لفكرة واحدة صاغها المؤلف في عبارة: (العلم الأعجمي في القرآن مفسرا بالقرآن) وجعلها عنوانا فرعيا لكتابه .. ومن ثم فالكتاب يستوعب محتواه في دقائق قليلة .. حسبك أن تعي معنى العبارة -وهي واضحة جدا- وحسبك أن تتبع الكاتب في مواضع من تطبيق الفكرة ... ليتشخص أمامك الإعجاز بشكل ملموس ... إن الكاتب أطال النفس وأنجز استقراء شاملا للأسماء الأعجمية في القرآن ... لعل الكاتب يقصد من ذلك تحقيق متعة الكشف، أما الإقناع بصدق الفكرة فلا يحوج إلى مثل هذا الاستقراء الشامل،إذ يكفي أن ترد الظاهرة في بضع آيات فقط لينتصب الإعجاز ... فالأمر لا يحتمل الصدفة .. فكيف والكاتب اصطنع الاستقراء الكلي واثبت فكرته بسلاسة ويسر حيثما ورد اسم أعجمي في التنزيل!

ثالثا:

بوسعنا الآن-مطمئنين- أن نضيف إلى أنواع البيان التي استقراها العلامة الشنقيطي في مقدمة الأضواء نوعا مستحدثا فنقول:

"ومن أنواع بيان القرآن للقرآن أن يورد التنزيل اسما أعجميا فيذكر في سياقه ما يدل على معنى ذلك الاسم في لسانه الأصلي- إشارة لا تنصيصا- .. "

وهذا توضيح في أمثلة:

-نوح:

يرى الباحث خطأ من فسر الاسم بما يتبادر إلى الذهن من اشتقاقه من مادة ن. و.ح العربية ... فليس في "ناح" العبرية من معاني "النواح" العربي شيء ...

وإنما هي تدل على التلبث والبقيا .. ومن ثم يكون المقابل العربي لها هو" ناخ ينوخ" (الحاء والخاء من حروف التبادل بين اللسانين العربي والعبري) فيدل الفعلان على المعنى نفسه من التلبث والإقامة .. فيقال أناخ بالمكان إذا استقر به وأناخ الجمل إذا أبركه ..

فنوح إذن من النوخة والإناخة لا من النواح .. والقرآن يشير إلى هذا المعنى عندما استعمل في سياق ذكر نوح ما يدل على طول المكث والبقاء ..

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} العنكبوت14

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي ..} يونس71

{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} الصافات77

-جبريل:

هذا الاسم في اللسان العبراني مركب مزجي إضافي: " جبر" مضاف و "أيل"مضاف إليه .. وبوسع العربي أن يخمن بكل يسر معنى هذا التركيب بفضل اتحاد المادة المعجمية في اللسانين ... ف"جبر" تعني القوة والشدة ومن مشتقاته في العربية "جبار" و"تجبر" أما "إيل" فمعناه "الله "كما هو معروف .. تكتب همزة ولاما في العبرية .. والكلمة موجودة في العربية أيضا شاهدها قولة الصديق رضي الله عنه تعليقا على قرآن مسيلمة المزعوم:"هذا كلام لم يخرج من إل" ..

فيكون معنى جبريل" جبار الله "أو "قوي الله" أو "الشديد عند الله"

وقد جاء هذا المعنى في موضعين من كتاب الله في سورة النجم:

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى {5} ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى {6}

وفي سورة التكوير:

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ {19} ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ {20} مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ {21}

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015