ملتقي اهل اللغه (صفحة 2903)

-ومثل سورة الزمر: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} الزمر29

-ومثل سورة النحل: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} النحل75

-ومثل الشجرتين في سورة ابراهيم.

ومن النوع الثاني:

المثل الناري والمثل المائي في أوائل البقرة.

ومن النوع الثالث:

مثل النور ومثل الظلمات في سورة النور.

4 -

اختيار صفة"طيبة"بليغ جدا، لأن هذا الوصف يقبل موصوفا معنويا وماديا على السواء .. ومن ثم جاز للكلمة والشجرة أن تتصفا بها:

فالكلمة الطيبة هي المتصفة بما ترتاح له النفس من الصدق والاخلاص والحقيقة ..

والشجرة الطيبة هي المتصفة بما ترتاح لها الحواس:

-فهي طيبة في تشخصها للعين.

-وهي طيبة في رائحتها المدركة بالشم .. (وطيبة لها آصرة مع التطيب.)

-وهي طيبة في مذاقها المدرك باللسان .. (طيبة لها آصرة مع طابت الثمار)

5 -

أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء.

ترتيب الأصل والفرع طبعي ونفسي معا:

-فالأصل متقدم في الوجود والفرع متأخر.

ونفسي لأن حركة العين تنتقل مما يوازيها ويوجد في مقابلها وهو أصل الشجرة ثم تتحرك صاعدة مع قامة الشجرة لاكتشاف نهايتها من جهة العلو. كما يحدث مثلا عند مشاهدة عمارة سامقة -من لدن من لم يرها من قبل -حيث تقوم عينه الراصدة بحركة صاعدة من الأسفل إلى الأعلى ...

وتنبيهي على حركة العين لأن المثل مسور بفعل الرؤية:"ألم تر ... "

وفعل "رأى "مثل صفة "طيبة" من حيث الدلالة على المعنوي والمادي .. فالرؤية تكون بالبصيرة وهو المناسب للمشبه أي "الكلمة" كما تكون بالباصرة وهو المناسب للمشبه به أي"الشجرة" ... فتحقق تشاكل بديع بين الفعل والوصف.

6 -

ليس من البلاغة أحيانا الإكثار من الوجوه البلاغية، والمثل شاهد على صحة هذه القاعدة:

كان من الممكن أن يقال:" ثابت [في الأرض] "لتحقيق المطابقة مع قوله:"فرعها في السماء"مع زيادة تأكيد الثبات بالظرفية!

لكن ذلك لم يقع لوجهين:

الوجه الأول: القرآن لا يأتيه الباطل من أي جهة كانت .. فالجذور في الأرض ليست معروضة للبصر وقد قال في أول المثل" ألم تر .. "!!

ووصف الأصل بالثبات أصدق وأبلغ ... فكأن المشاهد قام بفعلين:

اختبار قوة الشجرة بالدفع أو نحوه فتبين له ثباتها .. ثم تسلقها بالعين لاختبار ارتفاعها ... فتبين له توغلها في السماء.

الوجه الثاني:

القرآن احتفظ بالتقابل الحقيقي بين الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة .. فذكر السماء في وصف الطيبة (فرعها في السماء) وذكر الأرض في وصف الثانية (اجتثت من فوق الأرض) إشارة إلى سماوية الأولى وأرضية الثانية ... ولو قال:أصلها ثابت [في الأرض] لضاع هذا المعنى الشريف ولتحقق فقط تطابق شكلي.

7 -

المبالغة ليست دائما بليغة، ومثل الشجرتين دليل على صحة القاعدة:

كان من الممكن أن يقال [فروعها] في السماء لتضخيم الشجرة والإكثار من أجزائها ...

لكن هذا سيكون على حساب جمال الشجرة:فقد نتخيل مثلا نخلة لها جذع سامق جدا، وفروع كلها داخلة في السماء،فلا ترتاح لها العين:لأنه لا يعرض عليها في هذه الحالة غير جذع باسق من غير فروع مرئية عن كثب ولا شك أن صورة نخلة لها فروع بعضها على بعض، متراكبة، إلى أن يغيب فرعها العلوي في السماء ... أطيب للعين!

8 -

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.

الأكل هو الثمرة فحصل من الشجرة أمور ثلاثة:

-الرسوخ في الأرض طلبا للثبات.

-الارتفاع في العلو طلبا للنقاء والشرف.

-الإثمار وهو المقصود من كل شجرة.

وجمعت الشجرة من جهة أخرى بين القيمتين:

-قيمة الجمال.

-وقيمة المنفعة.

وحصل لها من جهة ثالثة امتدادان:

-امتداد في المكان فهي تصل الأرض بالسماء.

-امتداد في الزمان فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

9 -

للشجرة الطيبة حالتان:

ثبات وتجدد ...

وجاء تأليف الجمل مناسبا لكل معنى:

فأظهرت الجملة الإسمية معنى الثبات: أصلها ثابت وفرعها في السماء ..

وأظهرت الجملة الفعلية معنى التجدد: تؤتي أكلها كل حين

10 -

تقابلت الشجرتان على أكثر من وجه:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015