ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[23 - 02 - 2010, 09:26 م]ـ
62 - لمحة في قوله تعالى:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {25} وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ {26} سورة إبراهيم
1 -
أ-التركيب الصوتي للآية مثير للانتباه، فقد انبنى على تعاقب الحركات بما يلقي ظلالا من الريب على قاعدة البلاغيين والعروضيين التي تقتضي استثقال الأصوات المتحركة المتعاقبة بدون فاصل ساكن .. (سمى العروضيون المتحركين سببا "ثقيلا" في مقابل السبب "الخفيف" الذي يتألف من متحرك واحد بعده ساكن ..)
المتحركات في بداية الآية تتعاقب وفق نسق بديع من شبه التدرج:اثنان فثلاثة فأربعة فخمسة:
-أَلَ (م)
-تَرَكَ (ي)
-فَ ضَرَبَ (ل) ----هُ مَثَلَ (ن) -----كَلمَتَ (ن)
-كَشَجَرَتِ (ن)
ثم يختفي النسق ليظهر ثانية عند بداية الشق الثاني من المثل المضروب بصورة أقوى:
-وَمَثَل كَلمَت (ن) [ثمانية متحركات].
- كَشَجَرَتِ (ن) [خمسة] ..
ب- نقف قليلا عند كلمة" اجْتُثَّتْ" فهي من أعجب كلمات القرآن من جهة الإشارة المزدوجة للمعنى:
فهي تدل على المعنى عن طريق الوضع،
وتحكيه عن طريق الوقع،
وأقصد بالحكاية أن جرسها وتعاقب أصواتها في العبارة مماثل لتعاقب الأصوات الصادرة عن شجرة في لحظة الاجتثاث:
يمكن للأذن أن ترصد في هذه اللحظة ثلاث متواليات صوتية:
-نمط صوتي أول يحدثه تكسر الخشب وتمزق الجذور وانخلاعها من الأرض.
-نمط صوتي ثان ينشأ عن احتكاك الفروع والأوراق بالهواء أثناء سقوط الشجرة.
-نمط صوتي أخير ناتج عن ارتطام الشجرة بالأرض.
وقد جاءت كلمة "اجتثت" مكونة من ثلاثة مقاطع لتحكي الأنماط الصوتية الثلاثة:
-أجْ.
-تثْ.
-ثتْ.
المقطع الاول ينتهي بالجيم وهو صوت تكراري: أُجْجْجْ.
المقطع الثاني ينتهي بالثاء وهو تكراري أيضا: تُثْثْثْثْ.
لكن المقطع الاخير ينتهي بالتاء وهو صوت انفجاري لا يمكن تكراره:
ثَتْ.
ولو نطقنا الكلمة بتأن لسمعنا شيئا شبيها ب:"أجْجْجْجْجْتُثثْثْثْثَتْ."
لو طابقنا الآن بين المقاطع الثلاث للكلمة والحالات الصوتية للشجرة المجتثة لوجدنا تماثلا معجزا:
أججج: تصوير لصوت الخشب المتكسروهو صوت متكرر.
تثثثث: تصوير لحفيف الشجرة وهي مائلة في سقوطها، ويمكن تكرار حرف الثاء موازاة لتكرار صوت الهواء المحتك بالشجرة.
ثت: صوت ختامي يوحي بارتطام الشجرة بالأرض الصلبة ... وقد نقلته التاء الساكنة بدقة.
2 -
"الكلمة"-المشبه- لها مظهر حسي يتجلى في الملفوظ من أصواتها،لكن المعتبر هنا هو المعنى المعقول وليس مبنى الكلمة .. والقصد إلى بيان ما تدل عليها من معاني الحق وليس فصاحتها ... فيكون التشبيه من نوع تشبيه المعنوي بالحسي وهو أعلى وجه في سلم بلاغة التشبيه.
التشبيه مفرد بمفرد من جهة الذوات (الكلمة والشجرة)،وتمثيل من جهة الأحوال الصفات .. وقد تعددت صفات المشبه به على سبيل الترشيح، في حين لم يذكر في حيز المشبه إلا صفة واحدة (طيبة) .... وهنا بالضبط يضطلع التمثيل بوظيفته البيانية وهي اغناء المشبه عن طريق نقل تلك الصفات من صعيد المشبه به إلى صعيد المشبه وتأويلها هناك بما يلائم ...
التشبيه بديع من جهة تعدد درجاته:
تشبيه من الدرجة الأولى لمطلق الكلمة بمطلق الشجرة
تماثل في الدرجة الثانية بين الطرفين من حيث قابلية الانقسام إلى نوعين متضادين:طيب وخبيث.
تماثل في الدرجة الثالثة من حيث مطابقة النوعين في الصفات:وهو التفصيل الذي جاء في التمثيل القرآني.
3 -
من أسلوب القرآن في ضرب الأمثال الجمع بين النموذجين -تقابلا أو تكاملا- ...
هذه الثنائية تتحقق حينا بإدماج وحينا بغير إدماج ... وفي هذه الحالة الأخيرة إما أن يكون المثلان متجاورين في السياق المضيق بحيث يأتي المثل الثاني بعد انتهاء الاول، أو منفصلين ولكن يجمعهما السياق الموسع.
فمن النوع الأول:
-مثل الرجلين في سورة الكهف ..
¥