ثم إن الكناية هي إرادة لازم معنى اللفظ مع جواز إرادة المعنى المصرح به ... فيكون "الليل والنهار" في المواضع التي أشرنا إليها يراد بها الليل والنهار حقيقة؛ فيكون فهم السلف صحيحا،كما يكون الليل والنهار صفتين كني بهما عن الموصوف؛ فيكون فهمنا غير معارض لفهم السلف لأن الجمع ممكن، والله أعلم.
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[20 - 01 - 2010, 01:11 ص]ـ
61 - لمحة في قوله تعالى:
{.... كُلٌّ فِي فَلَكٍ ....} الأنبياء33
كُلٌّ فِي فَلَكٍ ...
في التركيب محسن لفظي سموه (ما لا يَستحيلُ بالانعكاس)،وقد فسره صاحب شموس البراعة بقوله:
النوعُ الْمُسَمَّى بما لا يَستحيلُ، أيْ: لا يَتَغَيَّرُ بالانعكاسِ، ويُسَمَّى هذا النوعُ القلْبَ أيضًا، هوَ كونُ اللفظِ بحيثُ يُقْرَأُ طَرْدًا وعَكْسًا منْ غيرِ تَغَيُّرٍ في قراءتِه، نحوَ: (كُنْ كَمَا أَمْكَنَكَ)، فإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ سواءٌ يُقْرَأُ طَرْدًا، أيْ منْ أوَّلِه لآخِرِه، أوْ يُقْرَأُ عَكْسًا، أيْ منْ آخِرِه لأَوَّلِه. وكذلكَ قولُه تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، أيْ منْ غيرِ مراعاةِ الواوِ.
وقد اعتبره الشيخ ابن عاشور من بدائع الإعجازقال:
وَمِنْ بَدَائِعِ الْإِعْجَازِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ فِيهِ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ فَإِنَّ حُرُوفَهُ تُقْرَأُ مِنْ آخِرِهَا عَلَى التَّرْتِيبِ كَمَا تُقْرَأُ مَنْ أَوَّلِهَا مَعَ خِفَّةِ التَّرْكِيبِ وَوَفْرَةِ الْفَائِدَةِ وَجَرَيَانِهِ مُجْرَى الْمَثَلِ مِنْ غَيْرِ تَنَافُرٍ وَلَا غَرَابَةٍ،
أقول:لا شك أن هذا الوجه لوحده ليس من الإعجاز، فضلا عن أن يكون من بدائعه، لأنه قد وقع في كلام العرب كثيرا،وفي المستطاع إيقاعه في كل آن .. ولعل الشيخ قد فطن إلى الأمرفسارع إلى إضافة صفات أخرى مقترنة بالمحسن المذكور ليكون وصف "بديع الإعجاز" متحققا برجوعه إلى المجموع لا إلى (ما لا يَستحيلُ بالانعكاس) بمفرده.
وهذا هو المحمل الصحيح .. ويشهد له أن كثيرا مما أنجزه الأدباء في هذا المضمار جاء ركيك العبارة، ساقط المعنى، ليس له من مزية إلا الوجه الشكلي من قراءة الحروف طردا وعكسا ... وهذه نماذج تكاد تكون من اللغو:
1 - قمر يفرط عمداً مشرق رش ماء دمع طرف يرمق
2 - قد حلا كاذب وعدُ تابع لعباً تدعو بذاك الحدق
3 - قبَسٌ يدعو سناه إن جفا فجناه أنس وعد يسبق
4 - قر فى إلف نداها قلبه بلقاها دنف لايفرق
ولم يأت من كلامهم على هذا النسج مقبولا إلا القليل .. فمن الشعر مثل قولهم:
1 - مودته تدوم لكل هول .. وهل كل مودته تدوم
ومن النثر مثل قولهم:
2 - كمالك تحت كلامك
3 - عقرب تحت برقع
وللإنصاف فإن لهذه النماذج الأخيرة حظا من الجمال والفائدة كفيل بأن يثير بعض الريب في ما اعتبره الشيخ من" بدائع الإعجاز" .. لأنه من اليقين عندنا أن البون بين كلام الله وكلام خلقه يجب أن يكون شاسعا بالضرورة،حتى لينقطع ريب كل مرتاب، وحتى ليشهد عليه الشهداء الذين يحضرهم من تحداهم القرآن مع ما قد يكون من تعاطف وميل طبيعي إلى أنصارهم:
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة23
لكن ما سماه الشيخ من "بدائع الإعجاز" ما زال قائما مشهودا بشرط أن نعتبر وجها بلاغيا خفيا نسميه:
"محاكاة اللفظ لمعناه"
ونعني به تصوير اللفظ بجرسه أو بخطه للمعنى الذي يدل عليه .. فيوحي اللفظ بدلالته محاكاة لا وضعا .. وفي اللغة العربية أمثلة غير قليلة ولعلها كلها من باب أسماء الأصوات:
مواء، عواء، قضم، خضم،حفيف، رفيف، وسوسة، وشوشة، .... وغيرها مما يدل على أصوات يساعد جرس الأسماء على محاكاتها ...
وقد قلنا" لعلها كلها من باب أسماء الأصوات" لأنه لا تتصور المحاكاة إلا من هذه الجهة فالألفاظ أصوات، فإذا صورت شيئا فلن يكون إلا من جنس الصوت ..
ونضيف إلى ذلك المحاكاة الشكلية البصرية عند تحويل الأصوات إلى حروف مكتوبة .. مثل حرف" العين"- في وسط الكلمة- الذي يحاكي شكل العين الباصرة ومثل حرف النون- المفصولة- الذي يحاكي شكل النون (الحوت) ... فيكون الخط راسما شكل الشيء الذي يدل عليه.
وهذا التصوير الخطي للمعنى هو ما تبيناه في قوله تعالى:"كل في فلك"ليتحقق الإعجاز جليا ..
إن الحركة الفلكية دائرية .. بمعنى أن الجسم المتحرك ينطلق في حركة ثم يستدير راجعا إلى منطلقه ليستأنف منها حركة دائمة لا تنتهي، تكون فيها نقطة النهاية هي عينها نقطة البداية ..
وهذا المعنى تصوره الحروف في قوله تعالى"كل في فلك"؛ صحيح إن ضرورة الاتجاه الخطي في الكتابة قد يحجب هذا التصور، ولكن لو وزعنا حروف العبارة على شكل حلقة- بحيث تتجاور الكافان - لتطابقت القراءة مع الحركة الفلكية:قراءة لا تنتهي مثلما أن الحركة في الفلك لا تنتهي!!
فتكون الآية قد حققت محاكاة اللفظ لمعناه ليس في الحقل الدلالي الصوتي-وهو المستطاع- ولكن في الحقل الدلالي الرياضي الفلكي .. وهذا أعجب!!
¥