المضاف إليه (الشَّمْس والقَمَر) وهو الظاهر، لأن السباحة من صفتهما دون (اللَّيلِ والنَّهَارِ)، وعلى هذا فيتعذر عن الإتيان بضمير الجمع، وعن كونه جمع من يعقل، أما الأول فقيل: إنما جمع، لأن ثم معطوفاً محذوفاً تقديره: والنجوم كما دلت عليه آيات أخر، فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة يعود هذا الضمير إليها ..
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت: كيف استبدّ بهما دون الليل والنهار بنصب الحال عنهما؟ قلت: كما تقول: رأيت زيداً وهنداً متبرجة ونحو ذلك؛ انتهى.
وهذا التعليل غير مسلم لأن المثال على غير وزان تركيب الآية ..
والمثال المناسب هو قولنا:
كلا زيد وهند متبرجة ..
فهل يصح أم لا؟
قال السمين الحلبي:
وقيل: التقدير: كلُّها، والخبر «يَسْبَحُون»، أتى بضميرِ الجمعِ على معنى «كل». وفي هذا الكلامِ نظرٌ: من حيث إنه لمَّا جَوَّز أن يكونَ المضافُ إليه شيئين جَعَل الخبرَ الجارَّ، و «يَسْبَحون» حالاً، فِراراً من عدم مطابقةِ الخبر للمبتدأ، فَوَقَعَ في تخالُفِ الحالِ وصاحبِها.
الحجة الثانية وهي بلاغية:
2 - جاءت كثير من الآيات تعدد نعم الله على الإنسان .. من الغريب أن تذكر من بينها الشمس والقمر والنجوم ولا تذكر الأرض،مع التناسب البدهي بين هذه المخلوقات:
- {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} إبراهيم33
- {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} النحل12
- {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} الأنبياء33
- {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} لقمان29
- {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} فاطر13
- {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} الزمر5
- {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فصلت37
في هذه الآيات كلها شغلت "الليل والنهار" مكان الأرض، ونحن نرى في ذلك إشارة إلى ترادفهما الدلالي .. فأي توجيه بلاغي للسكوت عن الأرض وقد ذكرت الشمس والقمر في مثل هذه المواضع!! .. إلا أن يكون ذكر" الليل والنهار" هو نفسه ذكر الأرض!
ولا يعترض علينا بآية الزمر حيث ذكرت الأرض في سياق واحد مع "الليل والنهار" .. بل الآية حجة لنا:
فقد ذكر خلق السماوات والأرض إجمالا،ثم فصل بعد ذلك فذكر تكوير الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، على أسلوب اللف والنشر ..
وقد يقال:
كيف تقول شيئا لم يذكره المفسرون؟
نقول لأن الشبكة الثقافية في عهدهم لم تكن تخول لهم التفكير في هذا الاحتمال .. !
وقد يقال:
لماذا كنى الله تعالى في تلك المواضع ولم يصرح .. ؟
جوابنا:
هذا من إعجاز القرآن في مطابقة المقال للمقام ... فلو ذكرت الأرض صراحة مع وصفها بالسباحة مثل الشمس والقمر لافتتن الناس .. ولتبلبلت أذهانهم:كيف يسبح شيء هو مستقر من تحت أرجلهم .. وقد يكون ذلك سببا في تكذيب الله ورسوله ..
فكانت الكناية في أعلى محل من البلاغة:
جنبت الناس الحيرة مع أخبارها بالحقيقة ..
¥