ملتقي اهل اللغه (صفحة 2898)

-خطاب حواري،داخلي أو خارجي مباشر أو غير مباشر، يستقي منه الراوي ما يكنه أو يظهره وجدان الإنسان.

إن الآية من نوع الحوار لكنها تضمنت من الدلالات ما يستغنى به عن الانتقال من خطاب إلى خطاب ...

1 - فمن النار ينتزع المتلقي الفضاء الزمني للقصة .. فلا شك أنه "ليل"،النار آية الليل كما أن الدخان آية النهار ..

2 - ومن النار يستشف الفضاء المكاني للقصة .. صحيح إن الآية وحدها –أي بقطع النظر عن الشبكة الثقافية للمتلقي-لا تدل صراحة على الصحراء، ولكن يمكن تغليب الصحراء على أماكن أخرى مفترضة .. فرؤية النار دلت على انفتاح في الفضاء،كما أن التماس الهدى عندها يدل على تيه في المكان، وهذا ملزوم لفضاء متسم بالتشابه والتجانس تقل أو تنعدم فيه معالم الاهتداء ... وبناء على صفتي "الانفتاح" و"التجانس" تكون البيداء أقرب في وعي المتلقي من فضاءات غيرها ..

3 - دلت النار على عنصر آخر في الفضاء وهو البرودة،والقبس المنشود هو من أجل الاصطلاء كما صرحت الآية الأخرى: أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} النمل7

4 - دلت النار على الحدث السردي وهو تيه الإنسان في الصحراء وتشابه الوجهات عليه ..

النار في هذا المقام لها وظيفة سردية حاسمة فهي إن لم تكن في ذاتها هدى -أي حلا لعقدة الحبكة - فهي دالة عليه "أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى"

فتكون النار، باجتماع هذه الملاحظ الأربعة، قد دلت على:

"تيه- في بيداء- ذات ليلة- باردة"

فأية حاجة إلى مقاطع وصفية أو سردية تعين حدث القصة وإطارها! فتأمله فهذا وحده من الإعجاز!!

5 - رأى نارا- آنَسْتُ نَارًا

تغيير لفظ الفعل ليس تفننا فقط ...

فإن فعل" رأى" ينتمي إلى صعيد السرد الخارجي،فهو محايد دلاليا يدل فقط على إبصار شخص ما لشيء ما .. أما "آنس" فهي من متلفظ الإنسان في الحوار، فجاء الفعل مشحونا بدلالات نفسية داخلية عميقة:

فموسى عليه السلام لم ير نارا فقط بل كانت مؤنسة له في ليل بهيم موحش .. وعلى المرء إن يتمثل مدى الابتهاج بمرأى النار من قبل إنسان تائه في القفر لا يكاد يتبين وجهة، ثم تلوح له نار فجأة .. فحق النار في هذا المقام أن تكون مفعولا لآنس لا لرأى ..

قال ابْن الأَعْرابِيّ: الأَنيسةُ: النار، كالمَأْنُوسَة، ويقال لها: السَّكَن لأنّ الإنسانَ إذا آنَسَها لَيْلاً أَنِسَ بها وسَكَنَ إليها وزالَت عنه الوَحْشَةُ وإنْ كان بالأرَض القَفر.

وقال مُحَمَّد بن عرَفَة الواسِطِيُّ: سُمِّيَ الإنسِيُّونَ لأَنَّهم يُؤْنَسُونَ، أَي يُرَوْنَ، وسُمِّيَ الجِنُّ جِنّاً لأَنَّهم مَجْنُونونَ عن رُؤْيَة النّاس، أَي مُتَوارُونَ.-انظر تاج العروس-

فيؤخذ من القولين أن آنس تدل على أكثر من إدراك بالبصر، فهو إدراك مع شعورخاص .. فرؤية الانسان من دواعي الاستئناس والاطمئنان،مثلما تكون المختفيات من دواعي التوجس والخوف ..

6 - دلت النار على وضع مادي لا ترف فيه .. فالنار متاع ضروري للمسافرين:

{نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} الواقعة73

فاحتياج موسى عليه السلام إلى قبس دل على أنه لغير ذلك أحوج!

7 - توجيه موسى عليه السلام بالخطاب إلى أهله" امْكُثُوا" دل على أفراد الموكب الصغير المسافر في الصحراء ... موسى عليه السلام وزوجه وربما ولد أو أكثر يقل أكبرهم عن تسع أو سبع سنوات ..

قال:

آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى.

الترديد بين الأمرين لإشعارهم بالأمن، فالغنيمة مضمونة على كل حال:إما مادية هي حصول الأهل على التدفئة، أو معنوية هي حصول موسى على دلالة على الطريق ... وتقديم القبس للحاجة العاجلة إلى الاصطلاء ...

وفي ثنايا قول موسى عليه السلام شيء غير قليل من الحصافة والاحتراس، إنه يحمل أذهان سامعيه على التردد بين الأمرين لكي لا يترك للأذهان فسحة لافتراض أمر ثالث فيه شر ..

فقد يجد على النار قطاع طرق مثلا!!

لكنه استبعد هذا الافتراض، قولا، لكي لا يشعر أهله بالخوف، وفي الوقت ذاته تصوره،فعلا، قياما بحق الاحتياط،فهو لم يصطحبهم معه إلى مكان النار حذرا من مفاجأة غير سارة عندها .. وفضل أن يمكثوا بعيدا عنها!!

8 - أخيرا دلت النار على قوة"حدس المؤمن":

كأن موسى عليه السلام كانت تحدثه نفسه عن وجود هدى ما على النار .. فقد وجد عندها فعلا هدى ولكن أي هدى!!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015