لكن كلام الزمخشري يحتاج إلى بيان، فالتعديد لذاته لا يوجب فصلا حتى لو جاء مقترنا بالتبكيت، وقد تكفل العلامة الطيبي بهذا الشأن حسب ما ذكره العلامة الألوسي:
"تبيينا لما ذكره صاحب الكشاف في هذا المقام أخلى الجمل أي التي قبل {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] عن العاطف لأن الغرض تعديد النعم وتبكيت المنكر كما يقال: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد فما تنكر من إحسانه كأنه لما عد نعمة حرك منه حتى يتأمل هل شكرها حق شكرها أم لا، ثم يأخذ في أخرى ولو جىء بالعاطف صارت كواحدة ولم يكن من التحريك في شيء، ولما قضى الوطر من التعديد المحرك والتبكيت بذكر ما هو أصل النعم على نمط رد الكلام على منهاجه الأصلي من تعداد النعم واحدة بعد أخرى على التناسب والتقارب بحرف النسق، وفيه تنبيه على أن النعم لا تحصى فليكتف بتعديد أجلها رتبة للغرض المذكور".
إن بيت القصيد في هذا البيان هوذلك التقدير الذي نبه عليه الطيبي بقوله:
"كأنه لما عد نعمة حرك منه حتى يتأمل هل شكرها حق شكرها أم لا، ثم يأخذ في أخرى ولو جىء بالعاطف صارت كواحدة ولم يكن من التحريك في شيء .. "
في هذا الملحظ بالضبط يكمن سر الفصل في الآيات وليس في التعداد المبكت وحده .. !
فقد تبين أن الفصل بين الجمل مرده إلى" الاستئناف البياني":
سقطت "الواو" بسبب وجود كلام افتراضي مقدر جعل الجملتين المتجاورتين تلاوة غير متجاورتين حقيقة .. !
ونحن نرى في هذا المقام أن الإمام الطيبي قد أمدنا بما يمكن أن نوسع به مفهوم "الاستئناف البياني" فلا ينحصر في تقدير سؤال صادر عن المتلقي -كما درج على ألسنة البيانيين- بل يمكن أن يتخذ صورا شتى كأن يتعلق بالمتكلم نفسه، أو به والمتلقي معا ..
ففي تحليل الطيبي السابق لا ينقطع الكلام بسبب سؤال المتلقي بل بسبب سكوت المتكلم نفسه ليرى وقع التبكيت على نفس المخاطب،حتى إذا لم يبد هذا المخاطب الافتراضي أي رد فعل، استأنف المتكلم جولة أخرى من التبكيت، وهلم جرا.
فكأن الجملتين مفصولتان بحوار صامت بين متكلم ومخاطب!!
هذا،وإن لنا ملاحظة أخيرة، ليست من باب الوصل والفصل، وإنما من باب المناسبة بين الآيات:
عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3}
ههنا تناسب بديع بين نزول القرآن منجما وتشكل الجنين الآدمي في الرحم .. تناسب مبني على التشابه:
فمن المعلوم آن آيات القرآن كانت تتنزل منجمة، فكانت الآيتان المتجاورتان في زمن النزول تتباعدتان في ترتيب المصحف، والآيتان المتباعدتان نزولا تقتربان ترتيبا حتى لتتلى الواحدة بعد الأخرى مع أن بين نزولهما سنوات!!
والعجيب أن هذا النظام الإلهي في نزول القرآن وترتيبه شبيه بنظام تشكل الجنين: فقد تكون في لحظة من الانقسام خلية الكبد مجاورة لخلية عظم الكتف وخلية أخرى للكبد في الجانب الآخر مجاورة لخلية القلب .. فيبدأ الإبداع الإلهي بصورة مذهلة فتتزايد وتيرة الانقسام فإذا كل خلية تقترب من أختها، فتراها تبتعد عن جاراتها الأجنبية شيئا فشيئا وتمضي في قدر مرسوم لتعانق شقيقاتها المبثوثة هنا وهناك، ليتشكل عضو متجانس هو كبد أو قلب أو عظم ... وهكذا عندما نستعرض تاريخ الخلايا في الجنين،وقد اكتمل خلقه،نتعجب إذ نجد خليتين متجاورتين قبل سبع شهور،لا يفصل بينهما فاصل، قد استقرت إحداهما أسفل في القدم الأيسر، والثانية أعلى في جمجمة الرأس .. فتبارك الله أحسن الخالقين!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[12 - 01 - 2010, 01:11 ص]ـ
58 - لمحة في قوله تعالى:
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) طه.
"النار" في الآية "بؤرة" لالتقاء الدلالات وإنتاجها، فلا عجب أن تكرر ذكرها ثلاث مرات، منها مرتان في متلفظ واحد، توج باحتفاء بها من خلال آلية الإظهار في مقام الإضمار ..
شعت "النار" دلاليا حتى أنها لتغني عن مقاطع كثيرة:فالحكي العادي-على سبيل التذكير- يحتاج غالبا إلى ثلاثة أنماط من الخطاب:
-خطاب سردي يستقي منه الراوي مقاطع تروي ما جرى منسقة الأحداث على تعاقبها في الزمان.
-خطاب وصفي يستقي منه الراوي مقاطع وصفية يرصد فيها نعوت الأشياء والأشخاص في تجاورها في المكان.
¥