هناك خصومة بين طائفتين من المسلمين حول الذكر بالاسم المفرد ...
والتحقيق أن نطق الاسم المفرد "الله " يصدر عن الإنسان بالفطرة وعن غير قصد في حالات شعورية متنوعة مثل الاستغراب والدهشة والاستحسان والتألم والفرح ... وتكون الكلمة منشئة لا مخبرة ...
أما الذكر بها وحدها والقصد إلى ذلك على سبيل العبادة بل اعتبارها أفضل الذكر لأنها ذكر الخاصة، كما يزعم بعضهم،فهذا يحتاج إلى إذن شرعي، والمرجع فيه إلى أهل الحديث والفقه لا إلى أهل اللغة.
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[10 - 01 - 2010, 03:43 ص]ـ
57 - لمحة في قوله تعالى:
الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4} الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ {5}
قيل:إن العرب كانت تتكلم بالكلام، ثم ينزل به الوحي، وقد تغيرت "الفاء" "واوا" و"الواو" "فاء"، لا غير، فيصير بذلك معجزا!
قلت: ليس في هذا القول من شطط أو مبالغة،وهو صادق حتى لو فهم بمعناه الحرفي، فللحروف في العربية "كيمياء "خاصة بمقدورها أن تحول المعنى الخسيس إلى معنى شريف، أو تنزل سامق المعنى إلى مبتذله، بل إن لها من القدرة ما يمكنها من إخراج النص من نوع وإدخاله في آخر.
فليقارن القاريء بين هذه النصوص الثلاث المتشابهة إلا ما كان من أمر "الواو" التي بدلت أو أسقطت:
1 - جاء الرجل غاضبا مزبدا،وبطش بخصمه.
2 - جاء الرجل غاضبا مزبدا فبطش بخصمه.
3 - جاء الرجل غاضبا مزبدا،بطش بخصمه.
-"الواو" في النص الأول جعلت منه" إخبارا ".
-وتغيرها "فاء" أخرج النص الثاني من الإخبار إلى "الحجاج".
-أما إسقاطها فقد جعل النص الثالث "حواريا" متعدد الاصوات!
بيان ذلك أن "الواو" في النص الأول اكتفت بتنسيق حدثين على المسار السردي،لكن تعويضها ب"الفاء" في النص الثاني غير من طبيعة النص، فلم يعد نسقا من حدثين، بل ترتيبا منطقيا من سبب ومسبب ذا قوة استدلالية، انتقل النص معها إلى نمط الحجاج ..
أما إسقاط "الواو" في النص الثالث فقد أحدث تغييرا عميقا لم يكن في الحسبان .. فالمتكلم عندما أتبع "غاضبا " ب"مزبدا" كان يرمي إلى تهييج المتلقي وحمله على السؤال المحتوم:
وماذا فعل بعد ذلك؟
فأعد له الجواب:
"بطش بخصمه" ..
هذا الحوار الضمني هو ما عبر عنه البلاغيون ب"الإستئناف البياني" وجعلوه من موجبات الفصل، ونعتوا العلاقة بين الجملتين حينئذ ب"شبه كمال الاتصال "،وسيزداد هذا الوجه البلاغي وضوحا مع تأمل الآيات الكريمة.
جاءت الجمل في الآيات مفصولة مع أن مقتضى الظاهر أن تأتي موصولة .. فمدار الآيات كما هو بين على إبداع الرحمن من" تنزيل القرآن [و] خلق الإنسان [و] تعليمه [و] جعل الشمس والقمر بحسبان" ..
وقد اختزلنا الجمل- عن قصد- في مفردات، وجعلناها على نسق من العطف، لتَشهد فيها استقرار الواو في وضع طبيعي لا تمجه السليقة!
لكن "الواو" أسقطت في الآيات من جميع مواضعها!!
ويحاول المرء جاهدا أن يتلمس الفرق بين الوصل والفصل، فلا يكاد يقبض على شيء، ولا يكاد يتبين ما الذي امتد أو انحسر من المعاني عندما سقطت الواو ليضحى المقال، مع سقوطها، أكثر استجابة لمقتضيات الحال!
إن الآيات من هذه الجهة دليل جلي على ما تقرر عند أهل البلاغة من أن "الوصل والفصل " أدق باب في المعاني وأخفاه ..
هذه الباب الخفي لا يمكن أن ينفتح إلا لمتمرس ذي رهافة دقيقة في تذوق الكلام من أمثال "صاحب الكشاف"!
فلنستمع إلى العلامة-رحمه الله-وهو يعلل سقوط الواو في الآيات:
" .. وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟ (..).
فإن قلت: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟ قلت: بَكَّت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التعديد، ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدّمته، ثم ردّ الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف".
¥