ملتقي اهل اللغه (صفحة 2889)

إضافة اسم إلى الله حقيقة إن أريد من لفظ الجلالة الذات وعليه يأتي ما مر من بناء المجاز على المجاز وبيانية إن أريد نفس اللفظ وهي مجاز بالاستعارة عندهم لأنها مقابلة للحقيقة والإضافة نسبة جزئية بمنزلة معنى الحرف والاستعارة فيه تبعية فكذا ما هو بمنزلته

ونقل الشيخ تقريرالاستعارة عن العلامة الدسوقي:

" أن نقول إن هيئة الإضافة موضوعة لتخصيص الأول بالثاني أو تعريفه به واستعملت هنا في تبيين الثاني للأول بأن شبه مطلق نسبة شيء لشيء على أن الثاني مبين للأول بمطلق نسبة شيء لشيء على أن الثاني مخصص أو معرف للأول بجامع مطلق التعلق في كل فسرى التشبيه للجزئيات واستعيرت صورة الإضافة الموضوعة للنسبة الجزئية المفيدة للتعريف أو التخصيص للنسبة الجزئية المفيدة للبيان على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية" اهـ

10 - اسم الجلالة نفسه مجاز عند القوم ..

فإن شرط المجاز عندهم المغايرة بين الوضع والاستعمال، وهو منطبق على اسم الله بزعمهم ..

لأن اسم الله -على اعتبار أنه اسم جنس- يكون من عموم الوضع لكنه لا يستعمل إلا بخصوص رب العالمين ..

قال مخلوف نقلا عن الأمير:

والظاهر عدم المجازية فيه بوجه من الوجوه ولو قلنا إنه كلي وضعا وأنه في الجزئي باعتبار خصوصه مجاز إذ لا مانع من استثناء أسمائه تعالى وتخصيصها بمزايا كما جعلوا تعريف علميته فوق الضمير إلى غير ذلك اهـ

وعلى اعتبار اسم الله من الوضع الخاص للخاص أي علما فلا مجاز فيه حينئذ ولا حقيقة، على رأي الشيخ السيوطي!!

قال في الإتقان: الأعلام واسطة بين الحقيقة والمجاز، كأنه لاحظ أنها ليست من موضوعات اللغات الأصلية .. (كما علق الشيخ مخلوف).

11 - زعموا في" الرحمن الرحيم" أنواعا من المجاز .. (خمسة في الرحمن وأربعة في الرحيم)

يوطيء البيانيون لادعاء المجاز في الرحمن الرحيم بأمور:

-أن الرحمة في لسان العرب حالة من الحالات النفسية تعتري الإنسان، من أعراضها رقة في القلب، تدفع الإنسان إلى الإحسان ..

-الرحمة بهذه المواصفات مستحيلة على الله تعالى مثلها مثل الحياء والرضا والغضب والفرح والحزن والمكر والخداع والاستهزاء ...

-إذا وصف الله تعالى بها فعلى ضرب من التجوز لا غير ..

أ-وهذا التجوز قد يكون من باب المجاز المرسل:

فتحليل الرحمة عندهم يكشف عن لحظتين:

لحظة ابتدائية هي التي وصفوها بالرقة في القلب .. وهي في حكم الداعي أو الباعث.

ولحظة انتهائية هي إيصال الإحسان وهي في حكم الغاية والمقصد ..

وقد صاغ المتكلمون من هنا قانونا عاما مضمونه أن الصفات الموهمة بالتشبيه-حسب زعمهم- يصح منها في حق الله غاياتها لا مبتدآتها ..

وهذه الغايات قد تكون صفات فعل وقد تكون صفات ذات .. فالرحمة

إذا كانت غايتها هي الإحسان فهي صفة فعل، أو إرادة الإحسان فتكون صفة ذات.

وقد اختار القاضي الباقلاني الأول،واختار الثاني شيخه أبو الحسن الأشعري.

وهذا التجوز يصح ان يكون على طريق المجاز المرسل من باب استعمال اسم السبب في المسبب القريب أو البعيد، أو اسم الملزوم في اللازم القريب أو البعيد ..

ب-التجوز في "الرحمن الرحيم" قد يكون من الاستعارة التصريحية التبعية ..

فقد شبهت الغايات (أي الإحسان أو إرادة الإحسان) بالرحمة التي هي مبتدآت (أي رقة في القلب) ووجه الشبه أو الجامع هو حصول الانتفاع ودرء الضرر وبعث الابتهاج والسرور على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية .. ويشتق من المعنى المصدري (أي الرحمة بمعنى الإحسان أو إرادته) صفتا الرحمن الرحيم فيسري في الوصفين المجاز تبعا لمصدرهما .. فتلك استعارة تصريحية تبعية.

ج- التجوز في "الرحمن الرحيم" قد يكون من الاستعارة المكنية التبعية.

أجراها الصبان كما يلي:

بأن يشبه مدلول الضمير المستوفي الصفة بذي الرحمة الحقيقية بجامع صدور النفع من كل تشبيها مضمرا في النفس وتجعل الصفة تخييلا وفيه من إساءة الأدب ما لا يخفى ..

الملاحظ أن في عبارات الصبان تخفيفا من شناعة ما يفكر فيه البيانيون ..

وسنجريها نحن كما هي بدون تخفيف لعلهم يرجعون:

قول الصبان" بأن يشبه مدلول الضمير المستوفي الصفة" معناه أن يشبه رب العالمين،

قول الصبان "بذي الرحمة الحقيقية" مقصوده أن يشبه رب العالمين الذي ليس متصفا بالرحمة الحقيقية بالإنسان المخلوق الذي يتصف بالرحمة الحقيقية،

قوله: بجامع صدور النفع من كل تشبيها مضمرا في النفس ... يقصد أن وجه الشبه بين الخالق والمخلوق هنا هو صدور النفع والإحسان ..

قوله: وتجعل الصفة تخييلا .. معناه أن تسند لله تعالى شيئا من لوازم الإنسان (وهو هنا الرحمة بمعنى رقة القلب) ليتحقق الاتحاد التام بين المشبه والمشبه به .. كما جعل الهذلي للمنية أظفارا إمعانا في دخول المنية في جنس السبع!!

كل هذا الجهل والهذيان سماه الصبان تخفيفا " إساءة الأدب "!!.

فإلى الله المشتكى ..

د- التجوز في "الرحمن الرحيم" قد يكون من الاستعارة التمثيلية ..

وقد أجراها الصبان:

"بأن تشبه هيئة إنعامه تعالى على عباده،وبسطهم بإحسانه على وجه أكمل بهيئة رقة الملك لرعاياه وعموم بره بهم بجامع هيئة تعمهما .. وفيه من التكلف وإساءة الأدب ما لا يخفى .. "

أقول:إساءة الأدب مردها دائما إلى تشبيه رب العالمين بالمخلوقين ..

وكان على الصبان أن يحرم الاستعارة مطلقا في حق الله بدلا من هذه الاعتذارات المتتالية، وهو يعلم جيدا أن الاستعارة مبنية على المشابهة

وكل استعارة في حق الله تعالى إما أن تكون لغوا أو تجديفا .. لأنه لا مفر من أن نشبه الله تعالى بنفسه،وهذا هو اللغو، أو نشبهه بغيره، وهذا هو التجديف ..

هذا وإن المضحك المبكي في الأمر أن المعاني السابقة يقولها من يزعمون أنهم يبالغون في التنزيه .. وأنهم اخترعوا البلاغة والتأويل لهذا المقصد ..

هـ- الرحمن-بخلاف الرحيم- مجاز لا حقيقة له، بناء على المشهور ومن عدم استعماله في غيره استعمالا صحيحا.

12 - يحتمل المجاز في تركيب البسملة كله على اعتبار أنها خبرية –من بعض الوجوه-والمراد إنشاء التبرك .. مثل قول القائل:

هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانينَ مُصْعِدُ * جَنِيبٌ وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ*

أراد بالإخبار التحسر.

فأين "حقيقة" البسملة تحت هذا الركام من المجاز!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015