ملتقي اهل اللغه (صفحة 2890)

ـ[ابو اليمان]ــــــــ[29 - 12 - 2009, 01:24 م]ـ

ما شااااااء الله تبارك الله اسأل الله أن يجزل لك الأجر .. !!!

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[30 - 12 - 2009, 01:50 ص]ـ

41 - لمحة في قوله تعالى:

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} الأنبياء83

هذا الدعاء آية في البلاغة، يعجب المتدبر من فسحة في المعنى يتسع على ضيق من اللفظ:ست كلمات فقط!!

يتألف الدعاء من شقين:

-عرض للحالة .. "أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ"

-وطلب. ........ "وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"

وفي كل شق نجد منتهى الأدب،وأسمى الأخلاق،وأعمق الإيمان ..

1 - لقد قطع "الضر" من النسبة إلى الله قياما بحق التأدب ... كما حكى القرآن قول إمام الموحدين:

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ {78} وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ {79} وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ {80} وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ {81}

فقد غير من الأسلوب، وخالف في الإسناد عندما ذكر "المرض"،ثم استانف على المذهب الأول ..

2 - لم يسند إلى "الضر"إلا أخف الأفعال: "مس"- مع أن الضر كان قد تغلغل فيه، عليه السلام،وتمكن منه-دلالة على صبره،وبعده عن كل جزع ..

ولنلحظ هنا المرونة الفائقة في الكلمة القرآنية:فقد جاء مثل هذا التعبير في مواضع أخرى، ولكن بدلالات متضادة:

{وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يونس12

{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} النحل53

ف"مس الضر" في الآيتين يدل على قلة الصبر، والنزوع إلى الجزع ... فالإنسان يهرع إلى التخلص من الضر عند أول مس الضر ..

وفي دعاء أيوب عليه السلام كان التعبير ب"مس الضر" أدل على تجذر الصبر، فقد أنزل الضر الذي سكنه سنين وكأنه لمسه فقط!!

فشتان بين النموذجين.

3 - لا نجد بعد عرض الحالة طلبا ظاهرا، وإنما غلف الطلب في مظهر من الثناء على الله تعالى:

"وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"

وهذا الطي لتحقيق مقصدين إيمانيين:

مقصد التوكل والتفويض، ومقصد الثقة بالله تعالى ...

فأيوب لم يطلب شيئا معينا، من شفاء أو غيره، بل فوض أمره لله ليستجيب له بما يشاء .. وهو في هذا التفويض مطمئن إلى فعل الله ومتيقن من الاستجابة"وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"

4 - في التعبير ب" أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" نكتة بلاغية لا توجد في "الرحمن الرحيم "مثلا ..

فأرحم الراحمين يفهم منه وجود رحماء غير الله تعالى .. لكن أيوب عليه السلام لا يلجا إلا إلى أرحم الراحمين .. فالعبادة هنا مع خيار، وهي أشرف من العبادة التي تكون مع اضطرار،من جنس عبادة المشركين الذين يلجؤون إلى الله فقط عند تقطع السبل وعجز الشركاء .. فتأمل!

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} الأنبياء83

رأيت بعض المعاصرين يعربون الواو حالية،وهو في نظري إعراب ضعيف مخل ببلاغة الدعاء بل يفضي إلى سوء الأدب ..

فتقدير [أني مسني الضر في حالة كونك أرحم الراحمين] يشم فيه رائحة العتاب،وضيق الصدر .. كما تقول:

"يجار علي وأنت قوي"

أو "أجوع وأنت ذو طعام وفير"

فحمل الواو على الحالية هنا يشرب التعبير شيئا من معنى التذمر واللوم ..

ينبغي في دعاء أيوب عليه السلام جعل الواو فاصلة بين عرض حالته والثناء على ربه ليكون الثناء تعريضا بالدعاء .. أما الوصل المدمج (بواسطة الواو الحالية) فمشعر بمعنى باطل في تضرع أيوب عليه السلام والله أعلم.

ـ[أبوسليمان الغاتي]ــــــــ[30 - 12 - 2009, 12:10 م]ـ

سيدي عبد المعز جزاك الله خيرا وزادك فتحا/

منازعتي حول مشاركتكم السابقة عن سر الترتيب في قوله تعالى: ((لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها)) فقد بدا لي أن القول من ملفوظ المجرمين وهو حكاية عن بعض أحوالهم في المحشر؛ ولاغرو إن إشفاقهم من الكبائر أشد من إشفاقهم من الصغائر.

هب أن سائلا سأل: تحت هذه النظرة لم قدم الصغائر _وهي المشفق منه الأهون_ على الكبائر_ وهي المشفق منه الأشد _. فما الجواب؟

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[31 - 12 - 2009, 03:47 م]ـ

نقول للسائل الكريم:إن الترتيب الذكري في اللفظ دال على الترتيب المعنوي في النفس .. أعني أن هؤلاء وجهوا وعيهم إلى الصغائر أولا،ثم الكبائر بعد ذلك، بمقتضى الجبلة الآدمية التي يحكمها قانون فطري هو "البحث عن اللذة واجتناب الألم" .. فلذلك تقدم في وعيهم -وبالتالي في ذكرهم- الصغائر لأنها أقل إيلاما من الكبائر ...

أخروا ذكر الكبائر لأنها ترهقهم، ولو كان الأمر بأيديهم لأخرجوها من دائرة الوعي تماما .. لكنهم لا يستطيعون إسكات الكتاب الناطق عليهم، فليس لهم إلا الحيلة النفسية المتمثلة في تأجيل الألم ..

وإن شئت فانظر إلى سلوك أصحاب الأعراف .. فقد توجهوا إلى مكان اللذة ببصرهم وخطابهم .. أما مكان الألم فقد اجتنبوه ... فهم لا يصرفون أبصارهم تلقاء أصحاب النار، بل صُرِفَتْ أَبْصَارُهُم، أي أرغموا على النظر إلى تلك الجهة:

وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ {46} وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {47}

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015