وقد رد السيوطي –وهو من المكثرين في ادعاء المجاز-على من أنكره بقوله في الإتقان:
"ولوسقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة .. "
وما من شك أن حجة السيوطي لا تخلو من تهافت، ولا تصلح للرد على المخالفين له:
-أما أولا، فلأن دعوى تلازم المجاز والحسن فظاهرة البطلان:فقد يوجد مجاز ولا حسن في الكلام،وقد يوجد حسن ولا مجاز فيه.
-وأما ثانيا، فمفهوم دعوى السيوطي يلزم عنها قول شنيع، لا أحسب السيوطي-رحمه الله- قائلا به. فلا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن، فيقال لهم حينئذ:هل سقط من القرآن شطر الحسن بوجود هذه الحقائق! أم كان يجب أن يأتي القرآن كله مجازا ليتحقق فيه الحسن كله!
ودعوى "أن المجاز أبلغ من الحقيقة "باطلة من هذه الجهة، لأنه يترك للمتأمل أن يفترض أن هناك مستوى أعلى من البلاغة لا يصل إليه القرآن .. !!
فالقرآن إذ يستعمل العبارة الحقيقة يكون قد ترك الأبلغ وهو العبارة المجازية البديلة الممكنة ... فتحوم الشكوك حول إعجازه!
فلا يستقيم لهم مذهب، إلا بإنكار الحقيقة في القرآن كله!!
وإن قالوا إن الحسن قد يكون في العبارة الحقيقية كما يكون في العبارة المجازية،وأن الحكم هو على كل موضع بعينه، بحسب نظمه ومطابقتة للحال. قلنا هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فأية فائدة في الحكم الكلي والقَبْلي الذي صاغه السيوطي!
ولنا في تفاسير البسملة شاهد على "الاستكثار من المجاز"ولعل القوم لم يتركوا في كتب البلاغة بابا من المجاز إلا ذكروه في تفسيرها، وقد يقال إن هذا المسلك مختص بالبسملة دون غيرها من آيات القرآن، لأن الشراح والمحشين يبدأون بشرحها،وهي مصدرة لجل المتون، ومن عادتهم أن يشيروا إلى ما تضمنته البسملة من المباحث المتعلقة بالمتن المدروس، فإذا كان المتن في البلاغة –مثلا- استنبطوا منها كل ما يتعلق بالفن،فتتكاثر الوجوه البلاغية، وربما تنافسوا في الإكثار!
على كل حال فقد زعموا في البسملة من المجازات:
1 - المجاز بالزيادة
2 - المجاز بالحذف
3 - المجاز المرسل
4 - الاستعارة المصرحة
5 - الاستعارة المكنية
6 - الاستعارة التمثيلية
7 - الاستعارة التخييلية
8 - المجاز التركيبي
9 - المجاز المركب
10 - مجاز المجاز
هذه فقط أنواع المجاز أما أفراده فعددها أكثر طبعا، لأن النوع الواحد قد يوجد منه أكثر من فرد .. ولا يستشكلن المرء طول هذه اللائحة مقارنة مع قصر البسملة لأن القوم:
- يتوهمون المجاز في المذكور والمحذوف.
- ويتوهمون في موضع واحد أكثر من مجاز بحسب الاعتبار.
- أو ينحل المجاز الواحد عندهم إلى أكثر من مجاز كما في مجاز المجاز،بزعمهم،والمجازالمرسل من درجتين.
- ويتوهمون المجاز في المفرد والتركيب ..
فلا عجب أن يربو عندهم عدد المجازات في العبارة على عدد الكلمات!
وهذا أنموذج مما يقولون:
1 - المجاز بالحذف في البسملة، بناء على مذهب فريق من البيانيين في أن الحذف مطلقا مجاز، وبناء على مذهب فريق آخر يشترط في مجازية الحذف توقف العبارة على المحذوف لفظا ومعنى ..
وقد حذف من البسملة متعلق حرف الجر باتفاق،فالمجاز على المذهب الأول واضح، وكذلك على المذهب الثاني لأن المتعلق المحذوف عمدة في العبارة، لا تتم الفائدة إلا به، فلا بد من تقديره لفظا ومعنى.
وفي البسملة حذف آخر بناء على اختلاف الناس: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟
قال السمين الحلبي:" وهي مسألةٌ طويلةٌ، تكلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه، فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة أجوبة، أجودُها: أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمَّى فتغايرا. الثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: باسم مُسَمَّى اللهِ. الثالث: أن لفظَ «اسم» زائدٌ".
قلت: ومن العجب أن يتوارد مجازان متضادان على محل واحد!
2 - المجاز بالزيادة في البسملة، وهي متصورة في موضعين:
-زيادة" الباء"
- وزيادة مدخولها "اسم" (كما في الجواب الثالث لأبي البقاء).
¥