ملتقي اهل اللغه (صفحة 2885)

أ-يشعر فعل "العطاء" بمعنى الطمأنة وإقرار العين، فالعطاء تمليك نهائي يكون المخاطب معها آمنا من أن تنزع منه العطية مستقبلا أو تسترد .. فضلا عن إطلاق اليد فيها بالتصرف عن اختيار-حسب ما نبه عليه الاستاذ فاضل السامرائي في بعض احاديثه-.

ويمكن مقارنة

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}

مع قوله تعالى:

{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} الحجر87

فقد أوتي الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن دون أن يمتلكه،وهو على كل حال كلام الله لا ينسب إلا إليه، بخلاف الحوض فهو حوض نبينا ..

ثم إن القرآن إلى الله يعود،بخلاف الكوثر الذي لا يسترد أبدا ..

ومن ثم يكون مقصد المواساة متحققا مع "الإعطاء" لا مع "الإيتاء" ..

ب-صيغة الماضي في الفعل تزيد من الشعور بالطمأنينة، فالإعطاء قد فرغ منه، والكوثر قد دخل في حيازته عليه السلام وبوسعه الآن أن يعد متبعيه بالشرب من حوضه، وأن ينذر المبتعدين عن نهجه من الحرمان من مائه ..

العطية قد وقعت إذن، فلا توتر من ارتقاب، ولا قلق في انتظار!

ج-إسناد الفعل إلى ضمير التعظيم يرفع من شأن العطية بناء على التناسب الموجود بين الفعل والفاعل، فلا يستشعر المخاطب من هذا الإسناد إلا الرضى: فليس يليق بالعظيم إلا أن يعطي شيئا عظيما!

هذه المعاني تتجلى بوضوح عند المقارنة مع آية الضحى:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى {5}

فالمعنى إجمالا واحد،لكن إيحاءات التعبير مختلفة،فنقرأ في آية الكوثر مزيدا من التأكيد والاحتفاء لتناسب ذلك مع سياق المواساة:

-فآية الضحى تضمنت وعدا بالعطاء فيما سوف يأتي "لَسَوْفَ يُعْطِيكَ"

وآية الكوثر نصت على وقوع العطاء فيما مضى "إنا أعطيناك".

-آية الضحى أسندت العطاء إلى الضمير الثالث هو "يعطيك"

وآية الكوثر أسندت العطاء إلى الضمير الأول نحن" أعطيناك"

وفي حضور الضمير،تداوليا، من الأنس ما لا يوجد في ضمير الغائب ..

-آية الكوثر أسندت الفعل إلى نحن التعظيمية ..

فيكون رب العزة بقوله "إنا أعطيناك"

قد طمأن نبيه بمادة الفعل: أعطيناك وليس آتيناك.

وأقر عينه بصيغته: أعطيناك وليس سنعطيك.

وأرضاه بنسبته: أعطيناك وليس أعطيتك.

2 - إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ.

في صيغة الماضي سر آخر بديع، فقد رتب الإنشاء على الإخبار وربطت "الفاء" بين فعل قد قضي قبل الكلام والأمر بفعل سينفذ بعد الكلام ..

فالإعطاء سابق على الصلاة والنحر .. وفي هذا الترتيب رفع لعبادة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مقام عزيز هو مقام الشكر ..

{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} سبأ13

لو تبادل الموضعين ما على يسار الفاء وما على يمينها فقيل مثلا:

صل لربك وانحر فنعطيك الكوثر

لنزلت العبادة درجة، لأنها ستغدو عبادة سؤال وطلب، لا عبادة شكر وامتنان!

المقام الرابع:

من بدائع السورة:

-1 -

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (1)

{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (3)

تماثل المطلعان وتقابل المقطعان:

التماثل في أسلوب التوكيد: إِنَّا- إِنَّ.

التقابل الحاد بين موضوعي التوكيد:

فالكوثر زيادة وفضل، أما الأبتر فنقص وخسارة.

تماثلت الآيتان -بالنظر إلى كاف الخطاب-في أنهما تحملان بشرى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقابلتا في نوع البشارة:

فالأولى ثبوتية

والثانية عدمية .....

بمعنى أن الأولى تكفلت بإيصال النفع،والثانية تكفلت بإزالة الضرر.

-2 -

{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (2)

أمر بعبادتين متماثلتين من وجه ومتقابلتين من وجه:

التماثل في الأفضلية:

فالصلاة هي أفضل العبادات.

والنحر يكون للإبل وهي أفضل أموالهم .....

فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بالتقرب إلى ربه بالأفضل.

أما التقابل فظاهر في نوع العبادة:

فالصلاة عبادة بدنية.

والنحر عبادة مالية.

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[18 - 12 - 2009, 04:29 ص]ـ

54 - لمحة في البسملة:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.

دأب المتأخرون من أهل البيان،وغيرهم،على الاستكثار من المجاز في تفسير القرآن وشرح النصوص، معتقدين أن الكلام تزداد بلاغته في تناسب مع ما فيه من تجوز. ومبدأهم المجمع عليه" أن المجاز أبلغ من الحقيقة"

والعدول عن الحقيقة بهذا الاعتبار هو دائما انحياز إلى جانب الأبلغ ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015