ملتقي اهل اللغه (صفحة 2878)

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران64

-قُلْ:

هذا الأمر الإلهي للرسالة الخاتمة يؤشر، داخل نسق القرآن، على أصل عظيم -بل هو أصل أصول هذا الدين- فلا غرو أن تكرر في التنزيل تكرارا ملحوظا (ثمانية وثلاثين في الزهراوين، ويوشك العدد أن يحاذي المائة الثالثة في مجموع القرآن)

هذا الأصل هو ما دل على استقلال هذا الدين عن الذوات والعقول،فهو متميز بوجود موضوعي فوق الأفراد، ولا يصل إليهم إلا بالتلقين وصيغة التلقين: قل!

هي صبغة الله المتميزة عن كل الفلسفات والمذاهب التي تنشأ –بدون استثناء-داخل الفرد حصيلة أمشاج من الحدوس والتأملات والخبرات الذاتية والجماعية.

التلقين هو قدر هذا الدبن:

رب العزة لقن المطاع الأمين.

والمطاع الأمين لقن خاتم المرسلين.

وخاتم المرسلين لقن الصحابة المهتدين.

والصحابة لقنوا التابعين المحسنين ..... وهلم جرا.

فدار الدين على كلمتين:"قل" إنشاء،و"حدثنا"إخبارا .. !!

وردت" قل" في مختلف المناسبات وفي متفرق المقامات:

تلقينا لجواب في مناظرة:

{وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة80

أو تشريعا إثر استرشاد":

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} البقرة189

أوتبليغا لتهديد:

{قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} آل عمران12

أوتعجيلا ببشارة:

{وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}

أو تلقينا لذكر ودعاء:

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} آل عمران26

هذا الأصل العظيم، لو قدر حق قدره،لكان عصمة من البدعة وسدا لباب الضلالة .. فلو قدرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره، وزكاة نفسه، ورجاحة عقله، لا يتعجل بقول، ولا يبادر برأي، حتى يلقن ب"قل" ... فكيف بمن هم دونه بمثل ما ابتعدت السماء عن الأرض!!!

أليس في هذا القضاء المبرم على مناهج الابتداع؟

-يَا أَهْلَ الْكِتَابِ

إذا كانت "قل" قد أشارت إلى مصدر التلقي لهذا الدين فإن تعبير النداء" يا أهل الكتاب" -الذي جاء بعدها مباشرة-قد أشار إلى الشطر الآخر من النبوة،وهو الدعوة والتبليغ ..

فتم بالإنشائين-صيغة الأمر وصيغة النداء - الإحاطة بالدين كله: مصدرا وغاية.

وقد تضمن هذا النداء الإشارة إلى منهج الإسلام في الدعوة .. فلو علمنا أن من أهل الكتاب من سب الله سبا قبيحا، ومنهم من فضل على الله العجل، ومنهم من قتل الأنبياء والرسل ... ومع ذلك فقد خوطبوا بألطف خطاب:" يا أهل الكتاب" كما خوطبوا بأحسن الأسماء "يا بني إسرائيل" ..

ولك أن تسجل-هنا-شيئا من إعجاز القرآن البياني:

فقد اشتمل الخطاب على التلطف دون شائبة المجاملة والتملق -مع صعوبة الفصل بين المعنيين في كلام البشر .. -بل لو تدبرنا الندائين لألفينا التلطف الظاهر مبطنا بلوم خفيف وتوبيخ شفيف تقديره:" لا يليق بكم وأنتم أهل الكتاب أن تفعاوا هذا ... ""ولا يناسبكم وأنتم ذرية إسرائيل أن تقولوا ذاك .. "

فلله در هذا الخطاب كيف جمع التلطف والأدب والتودد واللوم والتوبيخ، دون مجاملة فجة من شأنها أن تميع الحقائق، ودون خشونةسمجة من شأنها أن تنفر المدعوين.

وأصول الدعوةكلها- في نظرنا- مبنية على الجمع المتوازن بين الأمرين:"لا مداهنة ولا تنفير .. "وجاء ت عبارة يا أهل الكتاب تطبيقا عمليا لهذه الأصول.

-تَعَالَوْاْ:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015