ملتقي اهل اللغه (صفحة 2877)

(بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال) وكأن هذا الظرف والعطف يستهدف مزيدا من إثارة التوتر عند المتلقي،ومزيدا من الشعور بافتقاد الفاعل ..

ثم .... ثم انتهت الآية {36} بدون ذكر الفاعل!!

فيأتي الصمت العادي -المصاحب لانتهاء الآي في الترتيل- ليرفع التوتر إلى ذروته .. قبل أن يطرق السمع، أخيرا، الكلمة المنشودة ... "رجال" .. لشد ما افتقر إليها السمع، ولشد ما امتلأ بها الذهن في تلك الأثناء!!

ولكلمة" رجال" من الإيحاء ما لا يوجد في "مؤمنون "مثلا:

المقصد هو الإشادة والتنويه، فيترشح الكافر ليكون هو المخاطب في الصف الأول .. ولما كانت كلمة "مؤمنون" خفيفة في تلقي الكافر .. بل تثير في نفسه الاستخفاف والاستهزاء،فقد فضل القرآن عليها كلمة" رجال" التي هي أثقل في وجدان الكافر ... فقد يترفع هذا على أن يكون مؤمنا .. ولكنه لا يتعب من طلب الرجولة لنفسه، وتقديرها حق قدرها في غيره ..

وهناك حكمة أخرى من تفضيل كلمة "رجال": توطئة لتنقيح مفهوم الرجولة وتصحيحها ..

فالرجولة ليست عزما وقوة وصبرا وإقداما كما ترسخ في أعراف الناس فقط ولكنها خوف وفرق أيضا:

يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ..

فالخوف ليس نقصا في الرجولة،بل هو من مقوماتها!!

وجاء الثناء على الرجال من وجه آخر:

لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ

ويتجلى هذا الوجه أكثر لو استحضرنا آية قيلت في من هم أقل رجولة!:

{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} الجمعة11

فقد ذكر "اللهو" هنا ولم يذكر في شأن الرجال .. إشارة إلى أن هؤلاء أهل جد لا شأن لهم باللهو .. كما قال سيد الرجال - صلى الله عليه وسلم -: "لَسْتُ مِنْ دَدٍ وَلاَ دَدٌ مِنِّى".

ويفهم من وصفهم "لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ" أنهم أصحاب تجارة وبيع لكنهم لا ينشغلون بها عن التأله والتعبد ..

وقد زعم ابن عاشور-رحمه الله- أنه يجوز عنده،من بعض الوجوه، أن يكون المراد بالبيوت صوامع الرهبان وأديرتهم "وتخصيص التسبيح بالرجال لأن الرهبان كانوا رجالاً.

وأريد بالرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله: الرهبان الذين انقطعوا للعبادة وتركوا الشغل بأمور الدنيا، فيكون معنى: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع}: أنهم لا تجارة لهم ولا بيع من شأنهما أن يلهياهم عن ذكر الله، فهو من باب: على لاحب لا يهتدى بمناره."

قلت: ليت شعري من أي شيء كان هؤلاء يزكون وقد تركوا الشغل بأمور الدنيا .. !!

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[02 - 12 - 2009, 06:52 م]ـ

48 - لمحة في قوله تعالى:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران64

إعجاز القرآن ملحوظ للمتدبر اليقظ، لكنه يخفى عن الغافل أو الخامل ...

فلو شاهد هذا الخامل رجلا يخرج من كيس صغير عشرات الأشياء الكبيرة، بدون شعوذة أو احتيال، لاعتبر ذلك معجزة يقينا ... لكنه، وهو يقرأ القرآن، لا ينتبه إلى أن تلك العملية الإعجازية -من إخراج الشيء من لاشيء-تقع أمام عينيه في آيات القرآن مرات ومرات!! فاستخلاص عشرات المعاني من ألفاظ معدودات معجزة حقا .. ولا أرى فرقا في النتيجة بين أن يكون المرء حاضرا بين يدي رسول الله صلى عليه وسلم وهو يقوم بتكثير الطعام القليل في غزوة الخندق، أثناء حصار المشركين للمدينة، وبين أن يشاهد العلماء يستنبطون من الآية الواحدة أحكاما ومعاني وعبرا مرات ومرات ... المعجزة هي ذاتها في الحالتين، إلا أنها حسية في تكثير الطعام ومعنوية في تكثير الدلالات ... مع ميزة خاصة لمعجزة الآية القرآنية:إنها حاضرة باستمرار، وماثلة أمام العيون،بينما المعجزة النبوية الحسية تمت مرة واحدة ولا أمل في أن تتكررفي الزمان والمكان.

وهذا مثال على ما نقول ..

قال تعالى:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015