تحتمل الصيغة أن تكون" فعل أمر"، أوأن تكون" اسم فعل أمر"،فعلى الأول، سيكون المعنى طلب العلو وترك المكان الأسفل، وعلى الثاني سيكون المعنى طلب الاقتراب وعدم البقاء بعيدا.
قال العلامة الفيومي في المصباح:
"وَتَعَالَ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْلُهُ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَالِيَ كَانَ يُنَادِي السَّافِلَ فَيَقُولُ تَعَالَ ثُمَّ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ حَتَّى اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى هَلُمَّ مُطْلَقًا وَسَوَاءٌ كَانَ مَوْضِعُ الْمَدْعُوِّ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ أَوْ مُسَاوِيًا فَهُوَ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى خَاصٍّ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنًى عَامٍّ وَيَتَّصِلُ بِهِ الضَّمَائِرُ بَاقِيًا عَلَى فَتْحِهِ فَيُقَالُ تَعَالَوْا تَعَالَيَا تَعَالَيْنَ وَرُبَّمَا ضُمَّتْ اللَّامُ مَعَ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ وَكُسِرَتْ مَعَ الْمُؤَنَّثَةِ وَبِهِ قَرَأَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا}) لِمُجَانَسَةِ الْوَاوِ."
وتضمنت على كلا المعنيين أصلا عظيما:
"تعالوا" بمعنى" هلموا" أشارت إلى الوضع الاعتباري لهذا الدين:
فهو المركز وغيره الأطرلف.
وهو الوسط وغيره الهوامش ..
ومن ثم فإن الحركة الوحيدة الممكنة هي أن يتجه إليه .. فعلى العالم كله أن يحج إلى الداعي-صلى الله عليه وسلم-وأن يلتفوا حوله ... فالإسلام يؤتى ولا يأتي ...
أقول هذا الكلام وأنا أستحضر ما يسمونه "حوار الأديان" و"الموائد المستديرة" وأتأسف على هجرنا ل"تعالوا"القرآنية: ينبغي دعوة الأديان لا حوارها .. وأقصد بالحوار هنا المعنى الذي يعطيه أصحابه للكلمة فهو عندهم مرادف للمفاوضة، والتخلي عن المركزية، وترك بعض الثوابت التي يمتعض لها الآخرون،و"احترام" كفر من كفر ... !!
كما لا يجوز أن يكون الإسلام ضمن "مائدة مستديرة"يتساوى عليها كل الأضداد، لأنه على هذا الوضع لا يمكن أن يقول لغيره"تعالوا".
باختصار تعالوا تضمنت أصل طبيعة العلاقة بين الإسلام وغيره من الملل والنحل.
وعلى معنى طلب الاعتلاء نستشف أصلا آخر:
الإسلام سماء وغيره أرض .... فمن أسلم فقد ارتقى،ومن كفر فقد هوى.
ثم نلاحظ كيف عبر عن الإسلام والتوحيد في هذا المقام بقوله "كلمة" (تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ) والكلمة الطيبة في القرآن موصوفة دائما بالعلو أو متجهة إليه:
- وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة40
- {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} إبراهيم24
- إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} فاطر10
-كلمة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ:
هذا التعبير بليغ في هذا السياق ... فقد جاء للتنبيه على أمور نفسية وخلقية في غاية الأهمية .. فقد رأينا في الكلمات السابقة كيف دعا القرآن أهل الكتاب إلى التخلي عن مواقعهم للالتحاق بالمسلمين ... ولا شك أن أكبر مانع يقف سدا في سبيل الاستجابة هو المانع النفسي المتمثل في عدم استساغة النفس الانتقال من طور المتبوعية إلى طور التابعية: فاعتبار غيرها مركزا، وهي هامشا،صعب جدا عليها، حتى أنها لتفضل السقوط في دركات جهنم على قبول الدور الثانوي ... ولنا في القرآن والسيرة أمثلة كثيرة على الجاحدين ... الذين يعلمون صدق النبي –ومن جملة ذلك إخباره عن جهنم وأصحابها-ومع ذلك لا يستجيبون بسبب حظ النفس.
"سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ" هو البلسم الشافي للنفس ...
أفادت أن الجميع سواسية فليس ثمة رفع لعرق على عرق أو أصلية قبيلة وفرعية أخرى .. أو مركزية جنس وطرفية آخر ...
إن كل ما في الأمر هو التساوي في كلمة ... وهذه الكلمة ليست من إبداع العرب ليحصل لهم شرف الاجتهاد، وإنما هي كلمة عليا جاءت تلقينا ب"قل".
فانظر-رحمك الله-إلى كرم القرآن .. عشر كلمات-فقط- تضمنت عدة أصول، ولما كان الأصل الواحد يندرج تحته ألوف الفروع، فقد أصبح عطاء الآية غير قابل للحصر!!
وهذا تذكير بتلك الاصول:
-مصدر التلقي هو التلقين ..
¥