فالمسجد ليس معزولا أو مفصولا عن الناس أو منغلقا على أهله فيسمى دارا .. (ولنلحظ هنا مناسبة تسمية مستقر الرهبان من النصارى ب"دير" .. فهو مشيد ومنغلق على أهله)
والمسجد لم يرفع لإيواء عابري السبيل،والضاربين في الأرض، فلا يناسبه أن يسمى "منزلا" أو" مسكنا"
وإنما هو بيت لعبادة الله وذكره، وأفضل الذكر ما كان ليلا والناس نيام وأفضل الصلاة ما يصدر عن هؤلاء الذين أثنى عليهم ربهم: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} الفرقان64
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ..
مقصد هذا الجزء من الآية الإشادة بالبيوت والتنويه بشأنها:
2 - "أن ترفع":
من الارتفاع أو من الرفعة أو من الترفع ..
فعلى الأول يكون المعنى كما في قوله تعالى:
"وإذ يَرْفَعُ إبراهيمُ القَواعِدَ من البيت وإسماعيلُ"
فالرفع حسي،والإذن بتشييدها ورفعها لتكون ظاهرة للناس شاخصة أمام البصر ..
وعلى الثاني يكون المعنى كما في قوله تعالى:
فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ {13} مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ {14}
وقوله:
"وَرَفَعْنا لكَ ذِكرَكَ .. "
فالرفع معنوي للتشريف والتنويه ..
وعلى الثالث يكون الرفع حسيا وعقليا، دائرا على تنزيه المساجد من العبث واللغو والنجاسة ومما لا يليق، قال الحسن البصري وغيره: معنى «ترفع» تعظّم، ويرفع شأنها، وتطهر من الأنجاس والأقذار. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها.
وهذا المعنى متسق مع فعل التسبيح الآتي .. يجتمعان على معنى التطهير والتنزيه ... تنزيه الرب وتنزيه بيت الرب ..
3 - وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
إسناد الفعل إلى ما لم يُسم فاعله يستجيب لمقتضى بلاغي تداولي بالغ الأهمية:
فقد قلنا إن المقصد هنا هو التنويه بشأن البيوت، ومن ثم يكون إظهار الفاعل "تشويشا " على المقصد، وتشتيتا لانتباه المتلقي،لأن الوعي سيكون مترددا بين المحل والحال .. فلا يتمحض التنويه بالبيوت،لا سيما وأن بقية الآية –مع الآية الموالية-ستتكفل بالتنويه بالرجال الحالين في البيوت.
وبناء على هذا الملحظ التداولي يكون فعل "يُذْكَرَ" في حكم المصدر .. كما لو قيل بيوت لذكر الله ..
فإن قلت لم لم يأت بالمصدر صراحة .. ؟
قلنا لاستثمار الدلالة الزمنية التي توجد في الفعل ولا توجد في المصدر .. فالبيوت ليست لذكر الله فقط،بل للذكر المتجدد باستمرار (المفهوم من صيغة "يفعل ").
فتكون الدقة القرآنية في اختيار الصيغة الملائمة:
-فالمصدر دال على الحدث فقط ..
- والفعل المبني للمعلوم دال على الحدث والزمن والذات ..
-والفعل المبني لغير المعلوم دال على الحدث والزمن مع الطي الدلالي للذات ..
فالمصدر فيه نقص عن المقصود، والفعل المبني للمعلوم فيه زيادة مشوشة على المقصود .. فلا يقتضي المقام إلا الفعل المبني لغير المعلوم ..
4 - يُسَبِّحُ
قراءتان:
بفتح الباء من "يُسبح" على أنه مبني لما لم يسم فاعله، فيكون الوقف على "الآصَال" وقفًا تامًا ..
بكسر الباء و "رِجَال " فاعل؛ فلا يحسن الوقف إلا عليه لأنه تمام الكلام ..
وفي هذه القراءة نكت بلاغية:
مقصد العبارة التنويه بالرجال، مثلما كان المقصد من قبل التنويه بالبيوت ..
لكنه وقع تأجيل ملحوظ في ذكر الفاعل وتقدم عليه كل ما من شأنه أن يتأخر:
تقدم المفعول ... (لَهُ)
وظرف المكان (فِيهَا)
وظرف الزمان (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال) ..
ونحن نرى- من منظور بلاغة التداول-أن في هذا التأجيل ذاته يكمن التبئير على الفاعل وتأكيده .. وذلك رغما عن أنف القاعدة التي تنص على أن "العرب يقدمون الأهم" ...
فتقدم اللفظ لا يمنع الحضور في الذهن .. وتأخير المحضر في الذهن ليس إهمالا له بل هو شحذ للشعور بالفقدان ... ذلك الشعور الذي تتناسب حدته طردا مع زيادة التأجيل ..
فحينما قال: "يُسبح" تهيأ المتلقي لاستقبال الفاعل انطلاقا من الضرورة التي تأسست في النفس عن اقتران الفعل والفاعل ..
وحينما قال (لَهُ) ازداد التعطش إلى معرفة الفاعل .. ووقع في روع المتلقي أن اللفظ الموالي سيكون الفعل المنتظر ..
لكنه قال (فِيهَا) ... وتأخر الفعل مرة أخرى، لكنه لا بد أن يأتي قريبا،حسب ما يقتضيه أفق توقع المتلقي، أما إلغاؤه فمحال من المحالات ..
¥