ملتقي اهل اللغه (صفحة 2875)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[27 - 11 - 2009, 03:17 ص]ـ

47 - لمحة في قوله تعالى:

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ {36} رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ {37}

[تقدم لنا كلام عن المصباح والمشكاة،وكلام مثله عن المثلين المضروبين بشأن صاحب السراب وصاحب الظلمات .. وكرهنا أن نتجاوز الآيتين ... فيكون صمت بين كلامين .. فكتبنا هذا التدبر، عسى الله أن لا يجعلنا من الذين اتخذوا هذا القرآن مهجورا]

1 - في بيوت:

البيوت هي المساجد، ونلحظ ابتداء تخصيص المسجد باسم "بيت الله" دون الأسماء الأخرى مثل "دار" أو "مسكن" أو" منزل" ...

لم تضف"مسكن" أو" منزل" إلى الله عز وجل- حسب علمي- أما الدار فقد أضافها إليه كما في قوله تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)

والسلام اسم من أسماء الله تعالى ..

ورُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لايسكنها غير ثلاثة من النبيّين والصدّيقين والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك».

وقد ذهب الرازي والخازن أن إضافة الدار لله مما يجب تأويله، فيكون المضاف لله حقيقة هو المحذوف لا المذكور ..

قال الأول: لعل ابن عباس قال: إنها دار المقربين عند الله فإنه كان أعلم بالله من أن يثبت له داراً .. (!)

وقال الثاني: عدن داره يعني دار الله وهو من باب حذف المضاف تقديره عدن دار أصفياء الله تعالى التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته والمقربين من عباده.

كأن المفسريْن-غفر الله لهما- فهما من إضافة الدار إلى الله أنه يحل بها، فاستعانا بالتأويل!!

ولعل التحليل المعجمي لهذه المفردات يبين منشأ اختصاص المسجد بتسمية البيت:

لا شك أن الكلمات الأربع تتحد في تعيين مرجع واحد وهو "محل استقرار الإنسان" لكنها تختلف في الدلالة، ووجوه الاعتبار في التسمية:

أ-الدار:

قال الراغب في المفردات:" الدار: المنزل،اعتبارا بدورانها الذي لها بالحائط"

فالملحظ في الدار هو البناء،والتبئير على الحائط الذي يحيط بالدار فيعزله عن الخارج ويضفي عليه سمة الانغلاق والحماية والامتناع ..

قال عز وجل: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} هود67

قال ديارهم ولم يقل مساكنهم إشارة إلى نفوذ الصيحة إليهم رغم تحصين منازلهم ونحتها في الجبال .. فما نفعهم من إرادة الله أسوار،ولا منعهم من العقاب جدران!

ب-المسكن:

من السكون،والسكون ثبوت الشيء بعد تحرك ..

فيكون الملحظ في الاسم حالة الإنسان وشرطه في الوجود، فهو كادح باستمرار، متحرك في جميع الاتجاهات فاحتاج، ضرورة، إلى موضع يسكن فيه بعد حركة فسمى" مسكنا".

(واعتبارا لهذه الوظيفة للمسكن نرى ضعف تعليل ابن جني الذي زعم أن الدار"من دَارَ يَدُورُ، لكَثْرةِ حرَكَاتِ النَّاسِ فيها " ونرجح عليه تعليل الراغب السابق ذكره.)

ج-المنزل:

من النزول، والنزول حركة من أعلى إلى أسفل ..

فيكون الملحظ في التسمية ضرب الإنسان في الأرض وتنقله في مناكبها فيحتاج إلى مكان يستقر فيه بين رحلة وأخرى .. فسماه"منزلا" ..

حركة الإنسان في الفضاء، عادة، أفقية،وإنما النزول يكون عن البعير أو الحصان .. فيكون النزول إيذانا بانتهاء مرحلة في الرحلة أو شوطا في الطواف ... فناسب اللفظ المعنى.

د-البيت:

قال الراغب في المفردات:

"أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنه يقال: بات: أقام بالليل، كما يقال: ظل بالنهار، ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه ... "

إن الراغب دقيق جدا في تعبيره فقد قال "أقام بالليل"ولم يقل" نام بالليل" .. وقد نص جمهور العلماء على أن فعل "بات "يجب أن يكون مصحوبا بالفعل أو الوعي على الأقل .. فمنعوا أن يقال "بات نائما" ولكن يصح أن يقال " بات صاحيا "أو "بات يرعى النجوم" ...

تكشف المقارنة بين إيحاءات المفردات الأربع أن اسم البيت هووحده اللائق بالمسجد ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015