ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[24 - 11 - 2009, 02:35 ص]ـ
46 - لمحة في قوله تعالى:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ .... الكهف/50
قال الفخر الرازي في معرض بحثه عن الاتساق:
"اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لها وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا: كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا تنبيهاً على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء} فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر ... "
يمكن في هذا المقام تأكيد القاعدة الأصولية التي تنص على أن"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" بالقاعدة اللغوية التي تقضي ب"حمل المعنى القرآني على أعلى وجه بلاغي" ..
فما حكم عليه الفخر –رحمه الله-من "حسن" النظم باعتبار سبب النزول، يترك رتبة "الأحسن " باعتبار عموم المعنى ... فلا مناص من حمل دلالة الآية، إذن، على عموم لفظها، لكي لا يكون في الإمكان وجود رتبة بلاغية عليا لا تكون للقرآن!
إن الآية حجاجية باتفاق، غير أن الحجاج يبدو ضعيفا باعتبار المقصود بحسب النزول، فالقول" أنتم متكبرون إذن أنتم متشبهون بإبليس عدوكم"حجة إنشائية فقط ... على عكس ما ستؤول إليه الحجة، إذا اعتبرنا العموم،حجة كالقذيفة لا تبقي ولا تذر!!
إن القضية المعروضة في الآية لهي أكبر من سلوك خلقي يدور حول التكبر والتواضع، بل هي متعلقة بالخيار العقدي الأول للإنسان:
"أيختار الإنسان الرحمن أم يختارالشيطان"
وهذا ما نصت عليه الآية في ذروة حجاجها:
" أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ"!!
لنوضح مسار الحجاج:
الآية مؤلفة من ثلاث لحظات حجاجية:
اللحظة الأولى:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ..
هذه اللحظة لوحدها تحسم،ولا ترجح فقط، مسألة الانتماء العقدي .. فالرحمن أظهر إرادته في تكريم الإنسان وتشريفه، وكل من له أدنى مسكة من العقل سيختار الرحمن بدون رائحة تردد .. لأن الإعراض عنه هو إعراض عن التشريف والتكريم، وإن مفهوم هذا المعنى لشنيع جدا،لا يرتضيه أي عاقل لنفسه، فهل في العقل أن لا يسعى الإنسان إلا إلى الخسة والتسفل في الوقت الذي تعرض عليه فرصة الشرف والتعالي بسهولة ويسر!!
اللحظة الثانية:
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ...
لقد تحول الحجاج إلى شيء يأخذ بالخناق، فلم يعد أمام الإنسان ضرورة واحدة بل ضرورتان!!
فامتناع إبليس عن السجود إيذان بموقف مزدوج:
-موقف من رب العالمين مداره على الكفر والفسق
-موقف من آدم مؤسس على التعالي والاحتقار ..
فيكون الإنسان في موقع منير لا يمكن أن يتلبس به ظل أي إشكال:
فهو بين ما يريد تكريمه وتشريفه وبين من يعلن تحقيره ويشهر التعالي عليه ...
فهل سيتردد هنا عاقل أدنى تردد في الوجهة التي سيتخذها ... ؟
هل سيخطر على الذهن –مجرد خاطر-أنه يمكن الركون إلى من يحتقرنا ومعادة من شرفنا! ..
ومع ذلك فقد خطر الخاطر فعلا، بل ترسخ عقيدة، بل أثمر سلوكا وعملا ... وإن جهل الإنسان لا ضفاف له ... !!
اللحظة الثالثة:
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ...
مع هذا الاستفهام الجامع بين التعجب،والإنكار، والتوبيخ، نصل إلى ذروة الحجاج ..
إن إبليس لم يكتف بالاحتقار والازدراء بل أضاف إليه أمرا أخطر هو الرغبة في الانتقام:
فيكون إبليس-في علاقته بالآدمي- قد تطور من مستوى التقييم النظري (أنا خير منه) إلى مستوى التنفيذ العملي (العداء، والسعي إلى الإهلاك) ...
بعبارة أخرى،إن الآدمي مضطر إلى التأقلم مع الظرف الجديد فهو مطالب بتطور من جهته ..
إن الأمريستدعي الآن شيئا لا يكون أقل من " الفرار" ...
فإن من كان يحتقرك أضحى يريد قتلك!
فإن أعرضت عن الأول وقلت لا يهمني رأيه فيّ، أتراك الآن تهز كتفيك وهو يريد إهلاكك!!
لكن، والحق يقال، لقد أدرك الإنسان بحدسه أن زمن الفرار قد حان .. ففر حسبما يقتضيه الظرف ..
لكنه فر من الله إلى عدوه!!!!!!!
إن الحجاج القرآني، بهذا الاعتبار، من القوة بحيث لا تكفي كل علامات التعجب الموجودة في الدنيا لتعقب على سلوك الإنسان!
¥