ملتقي اهل اللغه (صفحة 2871)

أشار ابن منظور والراغب- رحمهما الله-إلى الدابة الذلول، ولا شك أن وصف الذلول أظهر ما يكون في حالة المطية ... فهي تخضع لصاحبها ولا تحاول أن تلقيه من على ظهرها كما تفعل الدابة الشموس ....

والمتأمل في حال الارض-وفق ما اشتهر في المجتمع العلمي-سيجد هذا التماثل البليغ بين الأرض والمطية: فالأرض هي مطيتنا الكونية،ونحن مستقرون على ظهرها، بينما هي تقطع ملايين الأميال في الفضاء بسرعة مهولة ..... فلا تشعرنا بالحركة فضلا عن أن تلقينا بعيدا عنها:باختصار الأرض مطية ذلول.

3 - الدلالة على علم العمران:

فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا: أمر عام لبني آدم جاء بعد جعل الأرض ذلولا،فالمشي في مناكبها هو الحكمة أو العلة الغائية من جعلها على ذلك الوصف ...

ويتضح من الآية الوضع البشري في التقدير الرباني: فهو مخلوق للسعي والحركة والسفر والرحلة والبحث والتنقيب .....

ومنها يستفاد أيضا ضلال المذاهب الداعية إلى التواكل والانقطاع عن العمل والبحث عن الرزق، منحرفين ومحرفين للعبادة العظيمة التي هي التوكل.

4 - الدلالة على علم الأخلاق والسلوك.

وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ.

جاور البيان المعجز بين الأكل والتذكير:

كل من رزق الله، ولكن لا تنس الموت والبعث والحساب!!

فكأن عبارة" وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" جاءت لكبح الاسترسال في الأكل والانغماس في الشهوات ...

فتكون الآية قد وضحت بجلاء التوسط السلوكي الأمثل المطلوب من المكلف.

5 - الدلالة على علم التاريخ:

لخصت الآية تاريخ الإنسان في الوجود:

-فذكرت النشأة الأولى:"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا"

والنشأة الثانية: "وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"

وذكرت مرحلة المعاش "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِه."

ومرحلة المعاد: ِ "وَإِلَيْهِ النُّشُورُ."

وذكرت التكليف والحساب.

ثم ذكرت إجمالا الأحوال الثلاث للإنسان مع الأرض:

-يكون فوقها: مستفاد من قوله:"فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا."

-يدفن فيها: (مستفاد من دلالة الاقتضاء)

-يبعث منها: مستفاد من قوله" وَإِلَيْهِ النُّشُورُ."

ـ[عمر بن إبراهيم]ــــــــ[02 - 11 - 2009, 09:02 ص]ـ

زادك الله تبصراً وفقهاً في القرآن الكريم.

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[10 - 11 - 2009, 08:51 م]ـ

43 - لمحة في قوله تعالى:

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {39}

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ {40} سورة النور

1 -

تنويع التمثيل على معنى واحد،لكن الصورتين متباينتان في العناصر والتشكيل والخلفية الطبيعية:

-صورة برية في مقابل صورة بحرية ..

-صورة يغمرها الضوء في مقابل صورة يطمسها الظلام ..

-صورة حارة جافة في مقابل صورة باردة رطبة ..

-وأخيرا، صورة ذات خلفية صحراوية، معهودة لدى العربي، منتزعة من محيطه، في مقابل صورة لا تمت بصلة إلى البيئة الإقليمية التي أنزل فيها القرآن،فمشهد البحر اللجي، وارتطام الأمواج تحت السماء المحجوبة بالسحاب الكثيف، مشهد بعيد جدا عن جزيرة العرب،قد لا يعهد له نظير إلا في بقاع مثل إيسلندة،أو شمال إيرلندة، أو بعض جزر المحيط الهادي ... وكأن هذا التنويع الجغرافي مراد به تقريب المشبه إلى كل الناس .. فمنهم من لا تسمح له بيئته بمشاهدة السراب ومنهم من لا تسمح له بمشاهدة الخضم الهائج .. فتكون مجاورة المشهدين في الآيتين رسما لمعالم جغرافية متباينة ومتكاملة من شأنها أن تقدم مشبها به يحقق أعلى نسبة من العالمية!!

2 -

الصورة الأولى ترسم فضاء مفتوحا منبسطا، تكون الحركة فيها ذات بعد أفقي: مشاهدة السراب عن بعد،والركض تجاهه ..

أما الصورة الثانية فمقابلة للأولى تماما: إذ ترسم فضاء مغلقا متراكبا ذا امتدادات عمودية: موج، فوقه موج، فوقه سحاب.

3 -

الصورتان رغم التباين الطبيعي تتحدان في "حالة الإنسان" المعروضة .. حالة تتسم بالضياع والتوتر:

-"الظمأ" في الصورة الأولى تقوم بوظيفتين، فهي مهيئة لتشكل السراب في الخارج لأن الشعور بالظمأ يحضر صورة الماء في الذهن .. وهذا الاستحضار له دور نفسي كبير في تأويل انعكاسات الأشعة في القيعة بالماء المرغوب فيه ..

وأما الوظيفة الثانية –المقصود الأول من التمثيل-فهي تصوير حالة الإحباط من جراء الانتقال السريع من الأمل إلى الألم ومن الاستبشار بالري إلى صعقة الحقيقة ...

- "إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا" هي الصورة الإنسانية الموازية لصورة الظمأ في التمثيل السابق .. وهنا أيضا تقوم الصورة بوظيفتين: التأشير على درجة الظلمة في الخارج، وتجسيد الحالة النفسية الداخلية، فإن تعبير" لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا"كاشف عن الضيق بالظلمة،والرغبة الأكيدة في الإبصار فكأن هذا الإنسان يقرب يده من بصره يحاول جاهدا أن يتبينها بدون جدوى فتكون النتيجة إحباط وخيبة أمل وهو الشعور ذاته عند صاحب السراب في نهاية استباقه إلى الماء الموهوم!!

لكن الأطرف في الصورتين -عند استعراضهما معا-هو المفارقة في الوضعين:

فصاحب السراب متلهف إلى الماء المفقود،وهذا الماء هو نفسه اللجة التي يضيع فيها صاحبه!

أما صاحب اللجة فهو متلهف إلى الأضواء، وهي التي خدعت صاحبه ونصبت له شرك الهلاك!! فتأمل.

4 -

من الصورتين المتباينتين ينتزع معنى واحد مشترك:

-الكافر إما أن لا يرى شيئا -مثل صاحب اللجة- أو يرى وهما- مثل صاحب السراب-!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015