الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ {78} وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ {79} وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ {80} وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ {81}
فقد غير من الأسلوب، وخالف في الإسناد عندما ذكر "المرض"،ثم استانف على المذهب الأول ..
2 - لم يسند إلى "الضر"إلا أخف الأفعال: "مس"- مع أن الضر كان قد تغلغل فيه، عليه السلام،وتمكن منه-دلالة على صبره،وبعده عن كل جزع ..
ولنلحظ هنا المرونة الفائقة في الكلمة القرآنية:فقد جاء مثل هذا التعبير في مواضع أخرى، ولكن بدلالات متضادة:
{وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يونس12
{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} النحل53
ف"مس الضر" في الآيتين يدل على قلة الصبر، والنزوع إلى الجزع ... فالإنسان يهرع إلى التخلص من الضر عند أول مس الضر ..
وفي دعاء أيوب عليه السلام كان التعبير ب"مس الضر" أدل على تجذر الصبر، فقد أنزل الضر الذي سكنه سنين وكأنه لمسه فقط!!
فشتان بين النموذجين.
3 - لا نجد بعد عرض الحالة طلبا ظاهرا، وإنما غلف الطلب في مظهر من الثناء على الله تعالى:
"وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"
وهذا الطي لتحقيق مقصدين إيمانيين:
مقصد التوكل والتفويض، ومقصد الثقة بالله تعالى ...
فأيوب لم يطلب شيئا معينا، من شفاء أو غيره، بل فوض أمره لله ليستجيب له بما يشاء .. وهو في هذا التفويض مطمئن إلى فعل الله ومتيقن من الاستجابة"وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"
4 - في التعبير ب" أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" نكتة بلاغية لا توجد في "الرحمن الرحيم "مثلا ..
فأرحم الراحمين يفهم منه وجود رحماء غير الله تعالى .. لكن أيوب عليه السلام لا يلجا إلا إلى أرحم الراحمين .. فالعبادة هنا مع خيار، وهي أشرف من العبادة التي تكون مع اضطرار،من جنس عبادة المشركين الذين يلجؤون إلى الله فقط عند تقطع السبل وعجز الشركاء .. فتأمل!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[30 - 10 - 2009, 06:07 م]ـ
42 - لمحة في قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (15) سورة الملك
هي آية واحدة، لكنك لو تدبرتها لوجدت نفسك سائحا في ملكوت الله،طائفا على مختلف العلوم، مستعرضا الأزمان والأمكنة:
1 - الدلالة على رب العالمين:
أ-وقد دلت الآية الكريمة على رب العالمين بالدليلين المعروفين:دليل الاختراع، ودليل العناية (كما سماهما أبو الوليد ابن رشد الحفيد)
فخلق الأرض وجعلها،من الدليل الأول، وتسخيرها للإنسان وتوفير ما يلائم طبعه من رزق وأكل من الدليل الثاني.
ب-نبهت الآية في ابتدائها وفي انتهائها على اسمين جليلين للرحمن: الأول والآخر.
فكل شيء ابتداؤه من الله (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا)
وكل شيء منتهاه إلى الله (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).
ج-جمعت الآية بين فعلي الربوبية: الخلق والأمر ... {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (54) سورة الأعراف
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا:خلق.
فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ: أمر.
2 - الدلالة على العلم الطبيعي:
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ....
اشتملت الجملة على فعل عجيب ووصف أعجب، لما فيهما من لطف الإشارة إلى ما هو مشهور في المجتمع العلمي:
-قالوا إن الأرض،في مراحلها التكوينية الأولى، لم تكن صالحة للحياة ثم تشكل الغلاف الجوي بعد ذلك، واستقرت القارات، وظهرت النباتات،فأصبحت صالحة مسكنا للبشر ....
وقد جاء في الآية فعل "جعل"الذي يفيد التحول والتصيير والنقل من حالة إلى أخرى .....
جعل الأرض ذلولا مفهومه أنها كانت من قبل في وضعية مغايرة.
-أما وصف الأرض ب "ذلول" فيشهد على أن هذا القرآن من تنزيل عليم خبير .....
قال في اللسان:
ذَلَّ يَذِلُّ ذُلاًّ وذِلاًّ فهو ذَلُولٌ يكون في الإِنسان والدابة.
وقال في المفردات:
ذَلَّتِ الدَّابَّةُ بعدَ شِماسٍ ذُلاًّ وهي ذَلُولٌ: ليست بصَعْبَة.
¥