ملتقي اهل اللغه (صفحة 2869)

تولى: فعل يدل على حركة متجهة في الفضاء .... ويدل أيضا على وجود شخص (أو شيء) في الخلف .... هو المرجع الذي يحدد فعل "تولى".

أتى: فعل يدل على حركة متجهة في الفضاء ... لكنها حركة مقابلة للتولي: فالنقطة المرجعية هنا توجد أمام وليس خلف ...

التولي انفصال وذهاب بعيدا عن المتولى عنه ... والإتيان عكسه.

كل هذا واضح ....... ولكن ماذا قالت الآية عن موسى؟

الآية تشعرنا أن موسى عليه السلام لم يغادر مكانه.

(هذا الشعور عندي ذاتي قريب من الحدس قد لا نستطيع التعبير عنه أو إثباته بطريق قوي وقد لا يوافقنا فيه غيرنا .... ولكننا نتدبر كما أمرنا .... والعلم عند الله تعالى)

ومصدر هذا الشعور أمران:

-السرد السريع لما قام به فرعون:تولى وجمع ثم أتى. فكأنه لم يتخلل بين الفعلين زمن طويل. فلا يكاد يتوهم الذهن أن موسى عليه السلام قد فعل شيئا ما بين انصراف فرعون ورجوعه.

-الأمر الآخر هو أن المتكلم قبل هذه الآية هو موسى عليه السلام الذي حدد الموعد:

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ?59?

والمتكلم بعد الآية هو موسى عليه السلام أيضا:

قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى?61?

فكأن موسى عليه السلام يستأنف كلاما قريبا .... أو كأن الآية (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى) اعتراض في حوار ... فلا نجد إشارة إلى انصراف لموسى ولا لمجيء له ....

والمعنى في ذلك –والله أعلم-أن صاحب الحق ثابت في مكانه لا يحتاج إلى مناورة ولا إلى ذهاب ومجيء ولا إلى استعانة بالغير .... فكأن لسان حال موسى - عليه السلام - الواثق في وعد الله يقول: أنا هنا لا أحيد فاذهب حيث شئت واستعن بمن شئت وجئني متى شئت.

-3 -

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ?60?

الأفعال المتلاحقة تشعر بالسرعة لكنها مع ذلك بينت البرنامج الفرعوني كله ...... فانظر مثلا إلى قوة الجملة الوسطى: جمع كيده ...

فعل "جمع" يختزل أوقاتا وأحداثا: إعلانات، وسفراء، ومبعوثين،وحركة في طول البلاد وعرضها، وعروضا، وإغراءات، ووعودا: باختصار:

حالة استنفار قصوى.

والمفعول به:كيد ... يختزل من جهته الأفعال السحرية،والرغبة في إزالة الحق بالباطل، فضلا عن الإشارة إلى غموض عالم السحر والسحرة- فلا يقال الكيد إلا لما فيه خفاء-

فانظر إلى هذه الكلمة" كيد "كيف دلت على فكر وأهله،كما دلت على نوايا وأصحابها، ودلت على خطط وتراتيبها.

ثم انظر إلى الرابطين لترى أسلوب القرآن المعجز:

"جمع كيده" جملة معطوفة على سابقتها بالفاء ... والفاء تدل على الترتيب مع الفورية كما هو معلوم ..... ففهمنا من ذلك أن فرعون مستعجل في أمره فقضية موسى لا تحتمل التأخير وفهمنا من فورية الجمع استبداد الفرعون وقيام الناس على خدمته واستجابة رغباته بأقصى ما يستطيعون ..... فالأمر عند الفرعون يفيد الوجوب مع الفورية.

لكن" أتى "عطفت على الجمع ب "ثم "التي تفيد التراخي .... لأن المقام يقتضي ذلك:

فنحن نفهم أنه بين جمع الكيد والذهاب إلى الموعد انصرمت مدة نبهت إليها" ثم":

إنها مدة وضع المخططات والاتفاق على االوسائل وترتيب الأولويات واختبار الحيل .... ونستفيد أيضا قوة الحق الثابت عند موسى عليه السلام ...... ففرعون وسحرته لم يرتجلوا شيئا بل دبروا أمرهم واخذوا الوقت الكافي لبناء كيدهم ....... ثم بعد أتوا صفا .... فانهزموا.

فتعجب من أسلوب القرآن كيف جمع بين:

-سرعة تلاحق الأفعال في السرد والحكي.

-وتعدد الفصول والمشاهد والأحداث في المسرود والمحكي.

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[28 - 10 - 2009, 12:43 ص]ـ

41 - لمحة في قوله تعالى:

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} الأنبياء83

هذا الدعاء آية في البلاغة، يعجب المتدبر من فسحة في المعنى يتسع على ضيق من اللفظ:ست كلمات فقط!!

يتألف الدعاء من شقين:

-عرض للحالة .. "أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ"

-وطلب. ........ "وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"

وفي كل شق نجد منتهى الأدب،وأسمى الأخلاق،وأعمق الإيمان ..

1 - لقد قطع "الضر" من النسبة إلى الله قياما بحق التأدب ... كما حكى القرآن قول إمام الموحدين:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015