ملتقي اهل اللغه (صفحة 2868)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[26 - 10 - 2009, 02:41 م]ـ

39 - لمحة في قوله تعالى:

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ... طه132

لا إشكال في المعنى من جهة الفقه فالأمر بالاصطبار على الصلاة أمر عام يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته ..

لكن الإشكال يأتي من جهة البلاغة، فقد يقال: إن المقام يقتضي توجيه الأمر للمؤمنين مباشرة .. ذلك لأن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الاصطبار يفهم منه أنه عليه السلام قد يتضجر من الصلاة، أو قد لا ينشط لها كما ينبغي، أو قد تشق عليه المداومة عليها .. وما من شيء من كل هذا صحيح، فإنه عليه السلام قد قال عن نفسه:

" .. وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"

وواضح أن من كانت "قرة عينه في الصلاة" لا يكون في المقام الذي يستدعي أن يخاطب بأمر الصبر عليها،فضلا عن الاصطبار عنها.

بيد أن العدول عن عموم الخطاب إلى خصوصه يحقق دلالات إضافية:

أولا: الدلالة الرئيسة،أعني التكليف العام بالاصطبار، وهي منتزعة من الخطاب الخاص بمقتضى قواعد علم الاصول.

ثانيا: الدلالة الحافة من التخفيف النفسي،فالمرء مجبول على التعزي بغيره، فإذا كانت المشقة التي يعاني منها مشتركة مع أقرانه ونظرائه خفت عنه وهانت في شعوره .. وسيكون التخفيف النفسي أكبر عندما يُعلم أن العظماء أنفسهم يجدون تلك المشقة ...

ثالثا: التحفيز المتفرع عن الدلالة السايقة .. فعلم الإنسان أن من هم أقوى منه قد تشق عليه الصلاة دافع له إلى أن يأخذ عدته ويستجمع كل قواه لأنه أضعف ...

كما لو علم أن رجلا أقوى منه أصابه البرد في سفر .. فيعتبر به فيأخذ العدة قبل خروجه من ثياب ودواء .. ولولا هذا الاعتبار لوقع له استهانة تورده المهلكة ...

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[27 - 10 - 2009, 12:56 ص]ـ

40 - لمحة في قوله تعالى:

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ?60? -طه.

-1 -

الإيجاز من أعظم وجوه الإعجاز البياني، والمعاجزة به قريية المأخذ، والانقطاع معها مشهود ..

فمن أظهر كمية من المعاني،في عدد معين من الألفاظ، فله أن يتحدى الخصم بالنزول إلى عدد أقل من الألفاظ مع بقاء المعاني.أما الزيادة في اللفظ فمقدور لأي واحد ...

وإعجاز القرآن من هذه الجهة مشهود لا يمارى فيه. فلا يستطيع بليغ أن يأتي بأخصر من لفظ القرآن أبدا، وإن فعل كان على النقص في المعنى، وهذا ليس من البلاغة في شيء ... وكذلك لا يستطيع أن يساوي القرآن أبدا لأن البيان المعجز يستعمل الكلمة الوحيدة- الموجودة في اللغة- التي تلبي حاجات المعنى،قال ابن عطية-رحمه الله-:

" كتابُ اللهِ لو نزعت منه لفظةٌ، ثُمَّ أُديرَ لسان العربِ فِي أن يوجد أحسن منها لم يوجد "

بل لا يوجد مثلها بناء على منع الترادف في اللغة وهو-في نظري- القول الراجح. وليس هذا محل تفصيله لكن حسبنا أن نستدل بأن الكلمة تحمل نوعين من الدلالة:

-الدلالة الحرفية المعجمية.

-الدلالات الإيحائية.

فلو قدر لكلمتين الاتفاق في الأولى فمن المستبعد جدا أن يشتركا في الثانية بسبب اختلاف الجرس، وما يعلق بالمعنى من ظلال عبر التاريخ الاستعمالي للكلمة،ويمكن تشبيه الكلمة هنا بالنحلة فهي في تنقلها بين الزهور يعلق بجسمها شيء بعد شيء ..... فالنحلتان المتشابهتان عند الغدوة تختلفان عند الروحة،وكذلك الكلمتان المترادفتان ظاهرا.

مثلا كلمة" رزق" لا مرادف لها بل أنا زعيم باستحالة ترجمة هذه الكلمة إلى أي لغة من لغات الناس،لأن الكلمة العربية لها من الظلال الروحية ومن المعاني الحدسية ما لا يمكن أن يوجد في ثقافة أخرى.

فعل "تولى" مثلا –في الآية التي نتدبرها-لا مرادف له يفي بكل الدلالات الإيحائية .....

فهو دال على الحركة في اتجاه معين،مع الدلالة على موقف فكري ونفسي ... ف"انصرف" –مثلا- إن حملت المعنى الأول لم تحمل المعنى الثاني.

-2 -

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى.

الظاهر أن الآية إخبار عن فرعون، وترتيب للافعال الصادرة عنه:

التولي، والجمع، والمجيء.

لكن التأمل الدقيق للفعلين: "تولى"، و "أتى".يكشف أن الآية حملت إخبارا عن موسى -عليه السلام- أيضا. فنقرأ في المشهد الواحد مشهدين في الحقيقة .... وهذا من إيجاز القرآن المعجز.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015