ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[15 - 10 - 2009, 12:32 ص]ـ
بارك الله فيك يا أبا عبد المعز.
إنك لتفري الفريَّ!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[16 - 10 - 2009, 04:41 م]ـ
37 - لمحة في قوله تعالى:
"رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا"
لسائل أن يسأل:لم التنصيص على النسيان والخطأ،مع أن هذا الزوج مرتبط بزوج آخر هو مقابله، طوي طيا، وكان هو أجدر بالذكر وفق ما يظن في بادي الرأي!!
إن القسمة ليست ثنائية فيكون الترديد بين الخطأ والنسيان،بل هي في الأصل رباعية:
فقد دل" النسيان" عن مقابله "العصيان"،
ودل "الخطأ" عن مقابله "التعمد".
إنما قلنا بالقسمة الرباعية استنادا لما يشبه الحصر العقلي .. فالمعنى العام متعلق بعدم إنجاز فعل كان ينبغي أن ينجز، ومن ثم يستشعر المؤمنون وقوعهم في التقصير، فيكون ملجأهم التضرع ..
ويمكن تصوير المعنى في تفريعاته الممكنة على النحو التالي:
التقصير في الفعل المأمور به يتخذ شكلين:
1 - إما أن لا يؤتى به أصلا ..
2 - أو أن يؤتى به،لكن على غير وجهه المطلوب ..
ولكل شكل فرعان:
-فالفعل الذي لا يؤتى به يكون:
أ-إما من جهة العصيان،
ب-أو من جهة النسيان.
-وأما الفعل الذي يتحقق على غير الوجه المطلوب فإما أن يكون:
أ-مقصودا فهو المتعمد،
ب- أو لا يكون كذلك فهو الخطأ ..
لكنِ المؤمنون لم يذكروا في دعائهم إلا النسيان والخطأ،مع أن المطويين أولى بالاستغفار ... فلا شك أن النسيان حدث نفسي خارج عن طوق المرء،يعتريه من دون إرادته، والمؤاخذة عليه هي أقرب إلى التكليف بما لا يطاق ..
أما الخطأ فهو قريب من النسيان حكما .. لأنه قد فرض على الشخص فرضا ولعل سلامة النية وحسنها عند المخطيء شفيع مقبول لدى أي حاكم عادل فكيف ورب العالمين هو الحكم العدل!!
فيكون الجرم إذن من الجهة الأخرى، جهة العصيان والتعمد .. وطلب عدم المؤاخذة عليهما أولى!
فكيف تم الإعراض عن ذكرهما مع شدة اقتضاء المقام لذكرهما!
هي بلاغة القرآن!
فإن المؤمن لا يليق به- أصلا -أن يعصى:
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} النور51
مثلما لا يليق به- أصلا -أن يتعمد الخطأ:
"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً .. "
(وفي تعبير الآيتين ب" إِنَّمَا كَانَ" و "وَمَا كَانَ" تنبيه على سجية المؤمن التي لا يتصور أن تتلبس بالعصيان أو الإفساد عن قصد ...)
وهذا الجزء من الدعاء في ختام سورة البقرة أشبه ما يكون عودا على بدء .. فقد أخبرت السورة الزهراء في مفتتحها عن قصة آدم وإبليس .. حيث يظهر الباعث على عدم الامتثال عند الفريقين .. فكانت الخطيئة الإبليسية من وحي التكبر والعصيان:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {34}
والخطيئة الآدمية عن ضعف ونسيان:
{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} طه115
فجاء دعاء المؤمنين معرضا عن ذكر ما لا يليق بهم .. بل لقد بلغ بهم رهافة الحس الإيماني أن يطلبوا من ربهم أن يغفر لهم ما هو غير داخل في الوسع والوعي،من جنس الخطأ والنسيان، وذلك منتهى الورع والتقوى!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[20 - 10 - 2009, 11:45 م]ـ
38 - لمحة في قوله تعالى:
..... لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..... الكهف48
يمنح التشبيه اتساعا بيانيا في وجه الشبه،وقدرة على مخاطبة الحس والعقل والوجدان ..
1 - فاحتمال أن يكون وجه الشبه بين النشأتين هوالاشتراك في الأصل العنصري: فبداية خلق الإنسان كانت من التراب، وبعثه من التراب.
2 - واحتمال أن يكون وجه الشبه هو تعلق القدرة الإلهية .. فالله قادر على إعادة الخلق، كما كان قادرا على ابتدائه ... وهذا هو الظاهر بالنظر إلى تتمة الآية: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً {48}
3 - واحتمال أن يكون وجه الشبه متعلقا بهيئة الخروج من الأرحام في الدنيا،وهيئة الخروج من الأجداث في الآخرة، أي:حفاة عراة غرلا .. كما ورد في الحديث الصحيح:
3100 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [البخاري]
4 - واحتمال أن يكون وجه الشبه في الفردية .. وهو معنى تكرر في القرآن:
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ - الأنعام94
{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً} مريم80
{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} مريم95
والتشبيه في كل هذا متجه لكسر أمور كثيرة في عقل الإنسان،وخلقه، وطبعه:
-كسر العناد العقلي بصدد تكذيب الرسل في البعث والنشور
-كسرالغرور البشري بالتنصيص على اقتران قدر الإنسان بالتراب المداس بالأقدام، فلم تك نشأته إلا فيه، ولم يك بعثه إلا منه ..
-كسر الكبرياء الحاصل من الوضع الاجتماعي الزائل .. فلا يبعث إلاعاريا كما ولدته أمه .. عاطلا من مظاهر الأبهة والافتخار.
-كسر الشعور بالقوة الحاصل من الانتماء والعصبية والسيادة، فلا يبعث إلا فردا،كما خرج من رحم أمه فردا!
¥