ملتقي اهل اللغه (صفحة 2864)

واحتمال التوسع في دلالة اللام وارد، فقد تناسب العهد الحضوري والعهد الذهني معا، ومدار الأمر على توسع آخر في دلالة اسم الإشارة:

-فقد قيل المراد بقوله "ذلك الكتاب" ما قد نزل من القرآن قبل سورة البقرة-ما نزل بمكة مثلا-فيكون العهد حضوريا لأن نزول القرآن بمثابة حضوره.

-وقد قيل اللام للعهد الذهني ....

لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان موعودا من قبل بكتاب ... قال ابن كثير: وفي حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم يقول الله تعالى: [إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا] ....

ولما نزل بعضه قال الله تعالى هذا هو الكتاب الذي كنت وعدتك به.

أو لأن "ذلك"إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد -على رأي الكسائي-

وقيل إن الله كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا فالاشارة إلى ذلك الوعد ....

حاصله أن التوسع شمل اسم الاشارة بالنظر إلى حقيقة المشار إليه كما شمل اللام بالنظر إلى أنها للعهد الذهني أوللعهد الحضوري أولاستغراق خصائص الجنس.

الجملة الثانية:

"لا ريب فيه" .....

جملة اتسعت من جهتين:

-من جهة التركيب إذ احتملت الاعتراض والاستئناف.

-ومن جهة التداول إذ احتملت الإخبار والإنشاء ...

فمعنى "لا ريب فيه"إخبارا: أن القرآن –في نفس الأمر-لا شك فيه وإن حصل الشك في نفوس المبطلين .... أو إن المرتابين في القرآن من الكفار لو رجعوا إلى أنفسهم وتجردوا من أهوائهم وتعصبهم لظهرت لهم الحقيقة التي يدعون خفاءها أو يريدون إخفاءها.

ومعنى "لا ريب فيه"إنشاءا: النهي عن الارتياب في القرآن فكأن المعنى:

ذلك الكتاب الذي لا ينبغي فيه الارتياب ..... والجملة الخبرية في العربية قد يراد بها الطلب ..... كقوله صلى الله عليه وسلم "الأئمة من قريش"فالأمر في صورة الخبر.ولا يجوز أن يكون الخبر حقيقيا لأنه يلزم عنه الكذب ..... فكثير من أئمة المسلمين من غير قريش ... فاللازم محال والملزوم كذلك.

الجملة الثالثة:

هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ......

جملة تامة مبتدؤها مقدر يعود على القرآن ..... وحذف المبتدأ المعروف سائغ في العربية وقد جاء منه في القرآن شواهد كثيرة منها:

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) سورة الأحقاف

بلاغ خبر لمحذوف تقديره هذا بلاغ.

-ب-

ذَلِكَ الْكِتَابُ: جملة ابتدائية تامة.

لاَ رَيْبَ:جملة استئنافية تامة.

فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ: جملة استئنافية تامة.

يتجلى الاتساع هنا في المرونة العجيبة ل "فيه" ... فيجوز الوقوف على ريب والاستئناف ب "فيه" ..... كما يجوز الوقوف على "فيه" والاستئناف ب "هدى" وهذا ما يسمى بوقوف التعانق.

والطريفة الإعرابية أن "فيه "انفصلت عن المبتدأ السابق واتصلت بما بعدها ..... فاصبحت لا النافية للجنس بدون خبر وهو سائغ فصيح كما تقول" لا بأس" و"لا فوت" و"لا ضير"-وهذا الحذف مما يلتزمه التميميون والطائيون-

وأصبح "هدى "مبتدأ بعد أن كان خبرا ..... والمحذوف مذكورا.

وتعبير "فيه هدى للمتقين "أضاف معنى جديدا:

الاهتداء بالقرآن.

الاهتداء في القرآن.

فعلى المعنى الأول يكون القرآن منهجا ونورا متبعا.

وعلى المعنى الثاني يكون الهدى داخله يبحث عنه ويستنبط منه.

ومفهوم الصفة صحيح هنا فالهداية مقتصرة على المتقين ولا يزيد الفاسقين إلا ضلالا ..

يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ

وقبل أن نختم الكلام على هذا الوجه نشير إلى صيغة" هدى"

فانتهاؤها بألف مقصورة يستجيب لحكمة بالغة وهي أن تأتي في وضع اتساعي لا يقطع معها بنصب أو رفع ...... ومن ثم يجوز أن تكون مبتدأ وخبرا وحالا .......

{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}

2 - التركيب الثنائي:

وفيه احتمالات خمسة:

-ج-

ذَلِكَ الْكِتَابُ.

لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.

ذلك الكتاب مدح كما مر. والجملة الثانية تأكيد لاشتمال القرآن على الهدى بواسطة أسلوب النفي.

"فيه"متعلق بخبر محذوف (كائن)،وهدى مبتدأ. والجملة في محل رفع خبر "لا".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015