ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[12 - 10 - 2009, 10:00 ص]ـ
35 - لمحة في قوله تعالى:
الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2}
مقدمة:
الاتساع مصطلح مشترك تتنوع دلالاته بحسب خصوصية المجال اللغوي المستعمل فيه.
-عند النحويين:
الاتساع دال على كل صنوف التغيير في أصل التعبير من حذفٍ، وزيادةٍ، وتقديم وتأخيرٍ، وحملٍ على المعنى،قال ابن جني:
" وكيف تصرفتِ الحال ُ فالاتساع فاشٍ في جميع أجناس شجاعة العربية وذلك لأنَّ " من شأن العرب التوسعَ في كل شيءٍ"فما يأتي على خلاف الأصل قيل فيه: هو على سعة الكلام، أو لاتساعهم فيه.
فالاتساع إذن هو التخطي والتجاوز لكل ما هو ضابط أو أصل أو قاعدة ...... أو لنقل هو نوع من" الخطأ" لكنه مقبول ومستساغ .....
-عند البلاغيين:
يأتي الاتساع بدلالتين مختلفتين بحسب الفرع البلاغي المستعمل فيه.
1 - في فرع البيان:
يذكر الاتساع في سياق ذكرهم للمجاز ..... وهنا أيضا" يتوسعون في الاتساع"!
-فقد يكون الاتساع أعم من المجاز فيدل حينئذ على ما يسميه المعاصرون "الانزياح" أي الخروج عن مقتضى المألوف الاستعمالي سواء تعلق الأمر بالمعنى أم باللفظ.
-وقد يكون مساويا للمجاز ومرادفا له.
-وقد يكون أخص منه وشرطا من شروطه. قال ابن جني في الخصائص: الحقيقة ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان ضدّ ذلك، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه، فإن عُدِمت الثلاثة تعينت الحقيقة.
مثاله:
قوله تعالى: {وأدخلناه في رحمتنا} (الأنبياء: 75) هو مجاز، وفي المعاني الثلاثة. أما السعة، فلأنه كأنّه زاد في اسم الجهات والمحال اسماً هو الرحمة. أما التشبيه، فلأن شبه الرحمة –وإن لم يصح دخولها –بما يجوز دخوله فلذلك وضعها موضعه. أما التوكيد، فلأنه أخبر عن المعنى بما يُخبر به عن الذات.
2 - في فرع البديع:
عرف ابن رشيق باب الاتساع:أن يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل، فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى"
*******
الاتساع بالمعنى الأخير هو المراد عندنا ..... غير أن نظرنا ليس إلى الاحتمالات المعجمية للألفاظ أو تعدد مصاديقها في الخارج- كما في تفسير الأقسام القرآنية مثلا-بل نظرنا -بالقصد الأول-فقط إلى التعدد الدلالي الناشيء عن الاحتمالات التركيبية.
وقد بلغ مطلع سورة البقرة –في تعدد الاحتمال التركيبي-شأوا بعيدا تندق دونه كل أعناق البشر ..... فهو الإعجاز في التوسع التركيبي لا ريب.
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (2) سورة البقرة
هي سبع كلمات فقط ... لكنها من المرونة بحيث تقبل أن تتخذ أوضاعا تركيبية متعددة .... فالكلمة الواحدة يمكن في أي لحظة أن تنفصل عن أختها-أو تتصل بها- لاعتبارات تركيبية فيتحصل من الفصل والوصل تنوع دلالي مذهل،وإعجاز في صورة ملموسة لا تنكر عند المنصفين.
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}
أولا-كم عدد الجمل في الآية؟
لو قلت:ثلاث جمل لأصبت.
لو قلت: جملتان لأصبت.
لو قلت جملة واحدة لأصبت.
لو قلت بها جميعا-على الشمول أو على البدل- لأصبت أيضا!!!
1 - التركيب الثلاثي:
الآية من هذا المنظور المختار مؤلفة من ثلاث سبائك:
-أ-
ذَلِكَ الْكِتَابُ: جملة ابتدائية تامة.
لاَ رَيْبَ فِيهِ: جملة استئنافية تامة.
هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ: جملة استئنافية تامة.
الجملة الأولى: اسم الإشارة فيها مبتدأ، و"الكتاب" خبره.
"اللام" الداخلة على "كتاب" هي لاستغراق خصائص الجنس وصفاته ..
وينبغي في هذا المقام التمييز بين اللام الاستغراقية التي تكون لاستغراق جميع افراد الجنس والتي من ضوابطها أن تخلفها "كل"حقيقة، واقعية، أو عرفية، وبين هذه التي أريد بها استغراق خصائص الجنس وصفاته مبالغة في المدح-أو الذم- والتي من ضوابطها أن تخلفها "كل" مجازا وتسمى ب "كل الإحاطية".ومثاله:"زيد الرجل"وتريد أنه جمع في نفسه ما تفرق في غيره من معاني الرجولة. أو أن "زيدا هو من يستحق أن يوصف بالرجولة.
ذلك الكتاب .... أي إن كان في الوجود شيء يستحق أن يسمى كتابا فهو هذا.
¥