ملتقي اهل اللغه (صفحة 2860)

الجنة غير عاقلة لكنها مع ذلك تستجيب للأمر اللائق بها –وهو الأمر الكوني- .. فإذا توفرت الشروط والأسباب جاءت النتائج وفق ذلك،فلها أن تخرج كل ما هو كامن فيها من الثمر بدون نقصان ليس محاباة للرجل ولكن استجابة للنواميس ... فهي قامت بما" يجب" عليها.

لكن الرجل العاقل لم يقم بما يجب عليه ولم يستجب للأمر اللائق به باعتباره عاقلا –وهو الأمر الشرعي-:فلا هو شكر ربه ولا هو واسى صاحبه.

خلاصة الامر أن في قوله تعالى عن كلتا الجنتين:"وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً" تعريضا بالرجل الظالم لنفسه وترتيبا له في دركة أسفل من الجماد نفسه.

قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً

نريد أن نقف هنا وقفة منهجية لها مساس بتصور اللغة ووظائفها وما يترتب على ذلك من تأثير في تفسير كتاب الله:

ذهبت طائفة كبيرة من المفسرين إلى أن تقرير الرجل صاحب الجنتين بشأن خلود جنتيه لا يتناسب مع البدائه والعقول والحواس.

قال الرازي:

(فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟)

وأكد أبو حيان هذا المعنى من أن: ("الحس يقتضي أن أحوال الدنيا بأسرها غير باقية")

هذا التعارض بين "مقتضى الحال" و"ظاهرالمقال" أزاله المفسرون بارتكاب تأويل يسير في موضعين من الآية:

-عند قوله"أبدا"

-وعند قوله"هذه".

فقد حملوا التأبيد المطلق على تأبيد نسبي،فالرجل إنما قصد بالأبد مدة محددة –هي مدة حياته مثلا-

قال ابن عاشور: (والأبَد: مراد منه طول المدة، أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما يبيدها.)

وهذا التوجيه يقتضيه المقام لإنقاذ الكلام من" التساخُفٌ والاغترارٌ المفْرِط، وقلَّة التحصيلٍ" –حسب تعبيرالثعالبي-فيم لو احتفظنا بالدلالة الأصلية لكلمة "أبدا".

الموضع الثاني يتعلق بتحريرمرجع الإشارة في "هذه" .. فذهب فريق من أهل التفسير إلى تعميم دلالة الإشارة.

قال الألوسي:

وقيل: (" هذه " إشارة إلى الأجرام العلوية والأجسام السفلية من السموات والأرض وأنواع المخلوقات،أو إشارة إلى الدنيا ...)

وقال الثعالبي:

("وظلمه لنفسه هو كُفْره وعقائدُهُ الفاسدة في الشَّكِّ في البعث، وفي شكِّه في حدوث العالم، إن كانت إِشارته ب " هذه " إلى الهيئة من السموات والأرض وأنواعِ المخلوقات، وإِن كانت إِشارته إِلى جنته فقط، فإِنما الكلام تساخُفٌ واغترارٌ مفْرِط، وقلَّة تحصيلٍ، ... ")

وهكذا لم يجدوا بدا من حشر الرجل مع الدهريين بغية منح كلامه بعض المعقولية!! فاعتقاد عدم إبادة الكون النوعي أولى بالاحتمال من الحكم بعدم إبادة جزء شخصي منه، فليحمل عليه كلام الرجل إذن!

حاصل ما في الأمر، أن ظاهر كلام الرجل ركيك،لا يليق أن يصدر عن عاقل ولا تتحقق مقبوليته إلا بأحد المسلكين: تضييق دلالة ظرف الزمان،أو توسيع دلالة اسم الإشارة.

هذا التوجه للمفسرين –دون أن يكون خطأ-ينطلق من قاعدة ضمنية مفادها هيمنة الاعتبارات العقلية والترسيم المنطقي: فصاحب الجنتين يتعين عليه أن يتكلم في حدود ما يجيزه المنطق، والمفسر عليه أن يحمل الكلام أيضا على مقتضيات المنطق،ويختار من الدلالات الممكنة للعبارة ما هو أقرب لأحكام العقل ..

لكن ما مسوغ هذا اللزوم لما لا يلزم؟

لماذا يفترض –مثلا- في الرجل أن يكون" منطقيا" رغم أنفه فيحمل كلامه على مقتضيات العقل؟

وما الداعي إلى حصر وظائف اللغة في الوظيفة المرجعية الواصفة للعالم وحدها؟

إن القرآن الكريم ينقل الوقائع بصدق ودقة ومن جملة الوقائع كلام الناس .. والمتأمل لأحوال الناس في كلامهم سيلاحظ بلا شك أن المتكلم يصدر في مناسبات عديدة عن غير مشرب المنطق: فتراه يركب مطايا التهويل والمبالغة والاتساع والمسامحة، ولا شك أن في تأويل كلامه بإرجاعه إلى المعقول والجائز شائبة الخيانة والتدليس ..

لو صرفنا،الآن، النظر عن الاعتبارات المنطقية في قول صاحب الجنتين -وأكرر أنها غير خاطئة لكنها غير كافية- وفسحنا المجال لاعتبارات عاطفية وانفعالية لاكتشفنا فيه ثراء دلاليا هو اللائق بالقرآن المعجز:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015